برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
هبوب النود

خائن حرب

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

دقت الحرب ضد الفايروس طبولها بشكلٍ تصاعديّ منذ إعلان مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسيوس يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر مارس الماضي أن وباء فايروس كورونا – الذي بدأ في الانتشار من مدينة ووهان الصينية أواخر ديسمبر الماضي – جائحة عالمية، فصار حتما على كل البشر الاندماج في جيوش بلدانهم استعدادا للحرب التي أعلنتها الدول تباعاً، ووضعت كلُّ دولةٍ خِططاً واستراتيجياتٍ خاصةٍ بها لمواجهة كورونا وجنوده الذين ينتشرون في كل مكان في البر والبحر والجوّ.

الحرب في مفهومها المتعارف عليه هي الوقوف في صفٍ واحدٍ لمواجهة الخطر أو كل ما يهدد الحياة والممتلكات، واستخدام كل الإمكانيات من أجل القضاء عليه، أو على الأقل ردعه والسلامة من شروره.

وعندما يخفق أحد الجنود البشر في الالتزام بخطط واستراتيجيات دولته أو يتهاون بها أو يتخاذل عن تطبيقها، فهو كمن يخرُقُ السفينةَ التي تُقِلُّ عددا كبيراً من الناس والأمواج تتلاطم عن يمينِها وشِمالِها، فيكون بذلك سببا في إغراقهم وقتلهم جميعاً، وبالتالي الهزيمة في الحرب وتبديد كل الطاقات والاستعدادات.

الشجاعة والالتزام والتماسك والإصرار والعزيمة والثبات والوقوف في الحرب على قلب رجلٍ واحد هي السبيل الوحيد للانتصار في كل الحروب، وفي هذه الحرب التي نعيشها الآن بالذات، والمتخاذل يجب أن يصنّفَ خائنَ حرب.

كل الأمم السابقة تحكم على الخائن في الحرب بالقتل، وإلى يومنا هذا الخائن في الحرب مقتولٌ مقتولٌ مقتول.

لستُ من مؤيديّ القتل ولا أراه إلا كالتفريط في أحد الأسلحة، على اعتبار أن الطاقات البشرية هي السلاح الحقيقي لبناء الدول، لكنّي مؤيدٌ لتلك العقوبات التي تضعها الدول الفتيّة، كالسجن لمُددٍ طِوالٍ أو الغرامات الكبيرة والتشهير، أو غيرها من العقوبات المغلظة التي تكون بديلةً عن القتل.

إن بقيت الحال كما هي عليه الآن ستُسحق اقتصاداتُ عددٍ كبيرٍ من الدول، وسيتضرر إنسانها، وهذا ما لا نرجوه كلنا، ولن يسلمَ من هذا الضرر أي دولة، مع التفاوت في درجات الضرر.

والآن لا بد لنا من العودة السريعة لحياتنا الطبيعية ومزاولة أنشطتنا التجارية كلها، مع استمرار حربنا والبقاء على أُهْبَةِ الاستعداد والتقيّد بالاحتراز والحرص على ترك بعض المظاهر السابقة والتقاليد التي كانت تقيّدنا، من أجل المحافظة على حياتنا والبقاء في حالة الوقوف والصمود كي لا نسقط السقطة التي لا قيام بعدها.

إيقاف المصافحة والسلام بالوجه، والاحتضان، والالتزام بالتباعد الجسدي بمسافة محددة في طوابير الانتظار، وتجنّب الدخول إلى الأماكن المغلقة المكتظة، كلها واجبات لا بدّ أن نواظب عليها مع بقية الاحترازات الأخرى كتعقيم اليدين باستمرار، وتفادي ملامسة الأشياء بشكل مباشر، وعدم لمس الوجه، ولنواصلْ المحافظةَ على بعض هذه التعليمات، ونصنع منها تقاليدَ جديدةً تحلُّ محلّ بعض التقاليد التي كانت لدينا ولم تُضِفْ لنا.

فهد البندر

رئيس قسم اللغة العربية بأكاديمية الملك فهد بلندن سابقاً، كتب الرأي في صحف البلاد والحياة وعكاظ.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق