اَراء سعودية
أجراس

هل تصالحنا؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هل ما زالتِ الأشياءُ المُستفزةُ تستفزُك؟ هل ما زلتَ تنتظرُ تغييرا ممن لا يرغبُ في التغييرِ؟ هل ما زلتَ تنتقدُ طباعَ إخوتك المختلفين عنك؟ هل ما زلتَ تنتقدُ السابقينَ الذين لم يهتموا بتدريسِ أبنائهم ثلاثَ لغاتٍ؟ هل ما زلتَ تتقفى نوايا الناسِ وتتتبعُ خطواتِهم المشبوهةَ؟ هل ما زلتَ تنتقدُ ازدواجيةَ الإنسانِ العربيِ وتهاجمُ ماديةَ الإنسانِ الغربيِ؟ ألم تتصالحْ مع الواقعِ؟

أعتقدُ أن التصالحَ مع صورِ الحياةِ الواقعيةِ لا يعني الاستسلامَ لها، ولا الاقتناعَ بها بل الاعترافُ بوجودِها سواء وافقناها أم خالفناها، مثلا: التصالحُ مع واقعِ الانحيازِ المصلحيِ وعدمِ تحقيقِ العدالةِ وتكافؤِ الفرصِ في بيئةِ العملِ لا يعني الرضا عنها، ولكن من الضروريِ الاعترافَ بوجودِها على خريطةِ قطاعِ الأعمالِ، فلا شيءَ سيتغيرُ سوى أننا سنذهبُ للعملِ بنفسيةٍ عاليةٍ بدلا من نفسيةٍ غاضبةٍ، فهل يتوقف السعيُ؟

السعيُ نحو صناعةِ التغييرِ والتحولِ البَنّاءِ لا يتوقفُ، ولكن حريةَ الإنسانِ هي المحركُ الأولُ لاختياراتِه وتوجهاتِه واحترامِ مبرراتِه مهما بدت غيرَ منطقيةٍ، فهذا الاختلافُ طبيعيٌ بين الأفرادِ، وعليه يحدثُ التنوعُ بكلِ أطيافِه وألوانِه، ومهما بدت العدالةُ والرحمةُ والتكافلُ قِيما إنسانيةً عاليةً وخلاقةً، إلا أنها لا تمثلُ البشرية َمن كلِ الزوايا، فهل هذا يأسٌ؟

ليس يأسا إطلاقا، بل سبيلٌ لشحنِ النفسِ بالخفةِ والراحةِ والمرونةِ، فعندما تكونُ الروحُ مشحونةً بالممانعةِ والاعتراضِ، ستعاني التوترَ الداخليَ قبل كلِ شيءٍ، فحتى الصمتِ سيظلُ يتوقدُ بالرفضِ في جوفِها مما يؤججُ المشاعرَ السلبيةَ تجاه الأشياءِ والأشخاصِ، فماذا سنجني من هذا الانفعالِ المشتعلِ على الواقعِ غيرِ المرضيِ عنه؟

نعي ذلك بالعودةِ لذويِ التجربةِ والخبرةِ الذين تصالحوا مع واقعِ العالمِ من حولِهم بعد مشوارٍ طويلٍ من الرفضِ والامتعاضِ وربما الاحترابُ والقطيعةُ لمن لا يشبهُهُم وربما يخالفُهم، ولكن النهايةَ كشفت عن واقعٍ متمسكٍ بتعدديتِه وتنوعِ اختياراته يستوجبُ من الإنسانِ القبولَ به كما هو.

الخلاصةُ أن هيكلَ العالمِ الخارجيِ مترامي المساحة، وجوهرَه الداخليَ متعددٌ بدرجاتٍ قد نستوعبُ بعضَها، وبعضُها الآخر يصلُ لمستوى لم يخطر على أذهانِنا قط، هكذا هو الضوءُ المنبعثُ من كلِّ روحٍ على الأرضِ، عندما ننظرُ للصورةِ كاملة من الأعلى.

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق