برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
بعض من بوح

صَمت ما بعد القراءة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هل مررتَ ذات يوم ولو في شبابك بمرحلة وقعتَ فيها في الحب، وعندما قابلتَ محبوبتَك ولو مصادفةً ثم انتهى اللقاء، جلستَ بعدها تفكر فيها هائما في جمال روحها ممتنّا للحظ الذي أوقعك في هذا الحب، مفكرا فيما قد يحصل مستقبلا، متصورا جميع الأحداث السعيدة القادمة، وفجأة يمر الوقت وأنت لا تشعر به؟

هل قمت بزيارة معلم سياحي، وبعد أن تمتعتَ بهذه الزيارة ابتعدتَ عنه وأنت تنظر إليه ساهدا، ناسيا ما حولك تفكر في جماله أو الجهد الذي بُذل في تنفيذه؟

هل حضرتَ لقاء مثيرا مع شخصية استثنائية من نوع ما، وبعد انتهاء اللقاء بقيتَ مدةً تفكرُ فيما جرى خلاله، وكم وددتَ أن يكون أطول مما كان؟

يمر بعض من ينهي قراءة كتاب –خاصة من يستمتع فعلا به ولا يتعجل في القراءة– يمر بهذه اللحظات بعد كل كتاب، فإذا حصل وأنهيت قراءة كتاب وحصل لك هذا الشعور الجميل والنادر، فلا تسمح لأحد أن يقطع عليك هذه النشوة الجميلة التي لا تشبهها أية نشوة أخرى، بل خطط لها قبل أن تنهي أي كتاب تحبه ثم اقطع صِلاتك مع جميع محيطك الحقيقي والافتراضي وتمتع بهذا الوقت، لأنها ببساطة لحظات الدهشة الجميلة التي تلي كل حدث جميل.

خلال تلكم اللحظات تمر أهم الكلمات والأفكار التي تمت قراءتها في حال كان كتابا فكريا أو ثقافيا، مع تمعن فيها استحسانا أو نقدا، كما تمر أحداث ووقائع أو شخصيات الكتاب في حال كان رواية، ويتم تخيل أشكال وأحوال الشخصيات ومآلاتهم بعد انتهاء الرواية، ويطلق البعض العنان لأفكاره لحد يتمنى لو أن أحداث الرواية كانت بشكل آخر، وهو ما يسمى «القراءة الفاعلة» وليست «المنفعلة» وإن كان القارئ كاتبا فإنه وفي فترة صمت ما بعد القراءة، قد يتمنى أن يكون هو نفسه كاتب ذلك الكتاب وقد يقول: كيف لم تخطر ببالي هذه الفكرة؟ ولماذا لم أكتب كتابا كهذا؟

يقول دانيال بناك في كتابه متعة القراءة: لأنه ضروري أن ندع الزمن يقوم بعملية التخمير الرائعة قبل أن يكون باستطاعتنا أن نتكلم عما قرأنا، هذا الصمت هو ضمان حَميميّتِنا، صحيح أننا انتهينا من قراءة الكتاب لكننا لا نزال فيه، مجرد ذكره يفتح ملجأ لتمرداتنا، إنه يحمينا من «الخراج الكبير» ويقدم لنا نقطة مراقبة تعلو بكثير المشاهد العارضة، لقد قرأنا، وها نحن نصمت، إننا نصمت لأننا قرأنا.

ويقول في مقطع آخر: وأحيانا يكون التواضع سبب صمتنا، ويفسر التواضع بقوله: الوعي الذاتي، المتوحد، والمؤلم نوعا ما، بأن هذه القراءة، وهذا الكاتب «غير حياتي» ويضيف: أو فجأة، هذا الانبهار الآخر الذي يعقد اللسان، كيف يعقل أن ما هزني بعنف لتوه لم يغير مجرى العالم في شيء؟ أيعقل أن يكون قرننا على ما هو عليه بعد كتاب دوستويفسكي «الشياطين»؟ وأخيرا يقول: ما أكبرها من متعة للقارئ، متعة الصمت بعد القراءة.

يوسف الحسن

يوسف أحمد الحسن، كاتب في مجال الثقافة والسياسة والمعلوماتية، تخرج بشهادة هندسة حاسب من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كتب في عدد من الصحف المحلية والعربية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق