برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
ناصية

اللّغةُ حينَ تكونُ فاصلا زمنيا

عملت اللغةُ بوصفِها كائنا متطورا، على رسمِ ملامحَ متغيرةٍ لكلِ مرحلةٍ من مراحلِ عمرِها الذي لا يتوقفُ، فهي على امتدادِ التاريخِ شكلت وتشكلُ ركيزةَ أساسٍ في كينونةِ العصورِ المتواليةِ وحتى عصرنِا الراهنِ، فما كان يستخدمُ قبلَ قرنٍ من الزمانِ قد لا يكونُ صالحا، أو بمعنى أدقٍّ مؤديا في هذا الزمن، خاصةً إذا اقترنت اللغةُ – أيُّ لغةٍ – بما تنتجه الحضارةُ من معطياتٍ هي في الأصلِ منجزاتٌ اعتمدت على أفكارٍ لا يمكنُ أن نبرئَ اللغةَ من صياغتِها ورسمِ أبعادِها الداخليةِ أو الخارجيةِ، ولعلنا وبشيءٍ من التأملِ نلحظُ في أنفسِنا كيف قولبنا لغتَنا من أجلِ مسايرةِ ما تطرأُ من تغيراتٍ على حياتِنا وحياةِ أسرِنا وأولادِنا.

إن الملاحظَ لحالِ الجيلِ الناشئِ اليومَ، وما آلت إليه قراءتُه لواقعِه عبرَ مسارِ اللغةِ العربيةِ خصوصا، ليشهدَ استعمالاتٍ جديدةً ومبتكرةً وقد تكونُ خارجةً عن النظامِ اللغويِ الأصيلِ المدوّنِ في كتبِ اللغةِ والمعاجمِ، الأمرُ الذي يعمّقُ الفجوةَ الزمنيةَ بين الأجدادِ والأحفادِ، وربما بعضُ الآباءِ كبارُ السنِّ مع أبنائهم الذين هم أبناءُ عصرِ التقانةِ أيضا، فالنّسبُ موزعٌ بيولوجيا وتكنولوجيا، تلكم الفجوةُ التي نحتاجُ إلى ردمِها من أجلِ فهمٍ واضحٍ وقدرةٍ على التعاملِ مع الضفةِ الأخرى من المجتمعِ ذي الكثافة العددية والإضافاتِ المتنوعةِ والمبهرةِ، ومن أجل ذلك فإن اللغةَ باعتبارها فعلا اجتماعيا ستكون منوطة للتحركِ الجادِ نحوَ مساحةِ التلاقي، إذ إن على دُورِ التعليمِ ومؤسساته أن تعملَ صادقةً على إعادةِ الشبابِ إلى حياضِ لغتِهم الأمِ عبرَ المشروعاتِ التي يحبونَها ويتفننونَ في إنجازِها، وكذلك عبر جعلِ اللغةِ الرصينةِ مدارا للتفكيرِ الناقدِ والإبداعيِ، بما يتضمنه ذلك من حمولاتٍ دلاليةٍ توفرُ الفضاءَ المعرفيَ والعلميَ ثم المهاريَ ذا الأثرِ الأخيرِ في ترجمةِ كلِ ذلك الاشتغال وجعله في حيّزِ الفعلِ المشهود.

رونقُ اللغةِ العربيةِ وجمالياتُها تلعبُ دورا مهما أيضا في جذبِ الأبناءِ إلى توظيفِها في حياتِهم، كما أن البعدَ عن التعقيدِ في التقعيدِ مما يذهبُ الشعورَ بالخوفِ من الاقترابِ منها، فللغةُ هيبتُها ولا شك، وقليلٌ من الودِّ نحوها يفتحُ للشبابِ مصاريعها، ويهيئُ لهم الولوجَ إلى رحابِها الشاسعةِ، فيقطفوا ثمارَها، ويجسروا بأنفسِهم تلك الفجوةَ الزمنيةَ المتخيلةَ.

يحيى العلكمي

يحيى بن محمد العلكمي، متخصص في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، عمل رئيسًا لتحرير مجلة بيادر الصادرة عن نادي أبها الأدبي ، ورئيسًا لقسم اللغة العربية و لجنة التدريب والتطوير في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير. مدرب معتمد من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، عضو منتدى السرد بنادي أبها الأدبي. و عضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، عمل في الصحافة، وكتب المقال في عدد من وسائل الاعلام المحلية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق