اَراء سعودية
دوّار الشمس

فنتازيا الواقع.. كُلٌّ يستعين بطقسه

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

إنه وقت الأدب والفن تحديدا، إنهُ وقت الطقوس التي تحفظ اتزان الإنسان كُلما هالتهُ الكارثة وأكل قلبه الخوف، تماما كما نهض الحرّاس في فيلم «Rise of the Guardians» كُلٌّ يستعين بطقسه في إنقاذ أطفال العالم من شبح الخوف، هو الطقس إذن، الفنتازيا والفن.

غالبا ما يُسأل كل مُشتغل بالكتابة أو الفنون إجمالا عن جدوى عمله، وعن أهميته في الحياة، هذا الوقت يُجيب، بعسر ما فيه وغموض لحظته وقلقها أيضا.

الفن حُلية وحيلة من حِيَلِ الصبر الجميل، وليس ترفا يُدهش العابر ويستعصي على البسيط، نقرأ سِيَرَ الكتاب أو الشعراء مثلا لنجد أن السياطَ وجهٌ آخر للأدب.

تُرهقنا الحواس وهي تُحدّق وتُنصت في خِضَم كل هذا التشويش حتى تضعف، يقول ابن خلدون في حديثه عن الإدراك بالحواس «إن هذا الإدراك كلَّه صارفٌ لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدةٌ له بالفطرة، ولمَّا كانت الحواس الظاهرة جسمانيَّة، كانت مُعرَّضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب» في هذهِ المساحة من التعب والسغب تحديدا يولد الفن، ويستعين الإنسان فيها على وهنهِ بالطقوس.

توضّحُ الطقوسُ معالم التركيب الاجتماعي الخارجي للإنسان، وتُحدّدُ أنماطَ العلاقات الاجتماعيّة، بينما توضح الفنونُ معالمَ التعالق الفردي الداخلي والكوني معا حيث وحدة الوجود.

ورغم اختلاف علاقتنا بالفنون، كما الشعائر أو الطقوس بما هي رموز متنوعة بين الشعوب، وعبر التاريخ، تبقى علاقتنا بها رهن الروتين أو الرتابة، حيث تتأثر بـ«الهابيتوس» أو مجموع الاستعدادات الذهنية كمحصلة للتجارب والرؤى، وذلك ما يُفسّر تجاوبنا المُختَلف مع نتاجات فنية أو ثقافية مُختلفة، حيث تتولّد الدهشة ويرتفع منسوب إحساسنا بها، إذا نجحت من الإفلات من تخدير التكرار.

وهذا يُفسر أيضا هروبنا من فنوننا وطقوسنا إلى فنون وطقوس غيرنا أحيانا، إذ نحن نفلت بذلك من حالة الخدر الناتجة عن التكرار، والتي تخفض منسوب إحساسنا بالأشياء.

ليست الأمور دائما على شاكلة «مزمار الحي لا يُطرب» لكن الوعي الإنساني بحواسه المُختلفة، مفطور على الميل نحو وضع الأشياء في دوائر الرتابة من خلال التكرار، لذلك نحن نحتاج دائما للاختلاف والمُختلف من أجل استفزاز الوعي والحواس، وتوليد المعاني المواتية لمستجدات الشعور واللحظة.

تبقى الفنون إذن بركيزة خلق الجمال وَتَداً لوجود الإنسان، الفن مساحة للقاء الأقطاب، تولّد معاني لتستمر أخرى، الفن مُخيلة العلم، وعمق صيرورة الحياة، وفي الراهن المعولم بمآسيه آلية تجاوز، تقفز بكل حمولاتها التاريخية والجغرافية والثقافية نحو الأمل بالنجاة، تماما كقفزة البطل جاك فروست، أو حارس القمر، قفزة كونية تقضي على الأشباح من أجل سعادة الأطفال.

رباب إسماعيل

رباب إسماعيل، ماجستير علم اجتماع المعرفة والثقافة، كاتبة وشاعرة سعودية، أكاديميّة مهتمّة بالشؤون البحثيّة والثقافيّة والتربويّة، أجرت تحقيقات صحفية متنوعة، كاتبة مقالات، نشرت في عدد من الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة، لها مشاركات ثقافية وإعلاميّة متنوعة داخل السعودية وخارجها، صدر لها ديوان رسائل دوّار الشمس عن دار الفارابي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق