برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
شرفة

تلميع الذات

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تأملت في سؤال الفاروق عمر بن الخطاب لحذيفة -رضي الله عنهما- حول أسماء المنافقين، وهل عده الرسول -صلى الله عليه وسلم- ضمنهم، هذا وهو عمر، في موقف واضح لمواجهة الذات، ما أصدق القلوب الشفافة التي تعري النفوس المريضة، وما أصدق المرآة وهي تكشف الوجوه على حقيقتها.

لقد كثر المجاملون والمادحون والمنتفعون حولنا، فاختلطت أوراقنا، وتبعثر تركيزنا، وجرفتنا ملذات الحياة وخدعتنا الألقاب الرنانة والمناصب الدوارة فساقتنا إلى متاهات الضياع وفضاءات السراب، فهل غشيتنا الشهرة بلذتها ودثرنا النفاق بلحافه المخادع؟ وكم مرة وقف المرء مع نفسه يحاسبها ويتعهد نواياها ويكبح جماحها عن البغي أو المبالغة أو الشهرة أو النفاق وما إلى ذلك؟

من يتأمل في بعض ممارسات مجتمعنا يصاب بالذهول ويعتصره الألم، فلقد بالغ بعضنا في تضخيم بعضنا فأهلك البعض منا البعض، وأصبحنا أسرى في أبراج المناصب والشهادات والطبقية والثراء وغيرها، فرفعت بعض النخب وحجبت وعزلت وصنفت المجتمع في سلالم دونية.

فالمنصب الذي هو في أصله موقع خدمة عامة، وهو في الوقت ذاته مسؤولية عظيمة، عليها حساب دنيوي وأخروي، أضحى سلعة للشهرة ومجالا للمنافسة والتسابق، والشهادة العليا والتي يسبقها لقب، التي هي في أصلها بوابة علم وورع وزهد ونفع للغير، أضحت هي الأخرى للبعض سلعة للبيع والشراء وللوجاهة الاجتماعية أو سلما للترقي الوظيفي فحسب، والثراء الذي هو في ذاته مباح إذا اكتسب من أبوابه المشروعة، ولكنه هو الآخر أصبح جسرا مرهقا تحمله أكتاف المحتاجين المنهكة، حقق لكثير من الأثرياء الكسب الباهظ المشروع وغيره.

إننا نرى العجب، فيتبع صاحب المنصب كل طامع وناعق، إلا من هدى الله، ويضخم اللقب الملقب، فيبالغ التابع ويرضى المتبع، ثم ما يلبث أن يذهب المنصب فيتحول التابع للسعي خلف متبع جديد ويهمل السابق، بل وقد يذمه وينتقده تزلفا للقادم الجديد، فماذا نسمي هذا؟

انظروا للشعراء المادحين في غير صدق، وانظروا لذل بعض الموظفين في حضرة بعض أصحاب المناصب والمكانة، وانظروا لاستجداء الضعفاء والمحتاجين للأثرياء والأغنياء.

وتأملوا كم باعد منصب ما بين الأصدقاء والزملاء والأقرباء، حينما نصب صاحب المنصب سياج الهالة والتلميع الذاتي ليؤطر ويحدد علاقاته بمن حوله.

أجزم أن تلميع الذات وحجزها عن رؤية حقيقتها مرض نخر مجتمعنا، بشكل يثير الشفقة على أولئك الأتباع المنبهرين بمساحيق الشهرة، ويثير الاستغراب لمن رضي من المتبوعين بهذه الهالة من حولهم، ومع أن تنمية وتطوير الذات علميا ووظيفيا واقتصاديا حق مشروع لكل البشر، ويجب أن يتم اكتسابها من أبوابها المعتبرة، والقيام بالواجبات الوظيفية المناطة دون إفراط أو تفريط.

لابد من إدراك أبعاد وعظمة وحجم المسؤولية أيا كانت، منصبا أو شهادة أو مالا، ووضع الوظيفة العامة في إطارها المؤسسي، وأن يجير النجاح لفرق العمل لا للفرد، وإدراك أن البناء التنموي هو عمل تعاوني تراكمي، وأن المنصب هو موقع نفع عام مؤقت وليس ملكا خاصا، ويزول سريعا، فمن لفظه المنصب سيعود ذليلا محتقرا وينفض عنه من حوله، وتبقى له الحسرة والندامة على مواقفه السلبية وإخفاقاته.

وأما الكبار الذين أدركوا حقيقة المنصب والثراء والمؤهل وثمنوا وعرفوا قدر أنفسهم، فهم كما دخلوا عظماء يخرجون عظماء من مناصبهم، وزادهم الله بها عنده أجرا ومثوبة وثناء حسنا لدى ولي الأمر والناس، لأنهم سخروا طاقتهم وجهدهم للخدمة العامة بإخلاص وتفانٍ بعيدا عن حظوظ النفس وتلميع الذات.

أحمد آل مفرح

من مواليد أبها، عضو سابق في مجلس الشورى السعودي لثلاث دورات متتالية، حاصل على بكالوريوس الأدب الإنجليزي من جامعة ميري ماونت بفيرجينا الأمريكية ١٩٩٣م، والماجستير في تنمية المواد البشرية والإدارة من جامعة جورج واشنطن علم ١٩٩٤م، والدكتوراه في الإدارة التعليمية من الجامعة الأمريكية بواشنطن دي سي عام ١٩٩٧م. عمل عميدًا للبرامج التدريبية وخدمة المجتمع بكليات المعلمين، ثم مديرًا عامًا للإشراف التربوي بوزارة التعليم، رأس اللجنة التعليمية بالمجلس، وانتخب رئيسًا لمنتدى البرلمانيين العرب للتربية. عمل في الشأن الرياضي والشبابي، حيث عين نائبًا ثم رئيسًا للاتحاد السعودي للجودو والتايكوندو، وانتخب عضوًا باللجنة الأولمبية السعودية، وعضوًا في الاتحاد الآسيوي للتايكوندو، ويحمل الشارة الخشبية الكشفية. له إسهامات ثقافية، حيث نشر كتابه الأول «لم الوجل؟» من إصدارات نادي أبها الأدبي، وكتب ويكتب في العديد من الصحف المحلية الورقية والإلكترونية، وله مشاركات في العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية. يعمل حاليًا مستشارًا في هيئة حقوق الإنسان، وهو عضو مؤسس ونائب لرئيس جمعية الطيارين السعودية، وساهم في الكثير من البرامج التطوعية واللجان التخصصية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق