برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

العصمة ليست صفة بشرية

نتفق أن جيل الصحابة كان الأكثر عفة ورقيا، لكن لا يعني ذلك أبدا أنه كان جيلا معصوما خاليا من ارتكاب المحرمات صغائر كانت أو حتى كبائر، يبقون بشرا غير معصومين.

وسأورد بعض الأحاديث من «الصحيح» تثبت ذلك، رغم توقفي عند بعضها:

في وقائع الزنا

عن بريدة قال: فجاءت امرأةٌ فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرْني، وإنه ردها، فلما كان في الغد قالت: يا رسول الله لِمَ تردُّني؟ لعلك أن تردني كما رددت «ماعز» فوالله إني لحبلى، قال: إما لا، فاذهبي حتى تلدي، ثم أمر بها فحُفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، «رواه مسلم 3214»

والحديث عليه كلام بسبب حد الرجم، لكن بالعموم يثبت وقوع الزنا في عهد النبي، وتوجد حالات أخرى، فهي ليست حالة وحيدة.

تحرش -دون جماع كامل- أيضا في عهد النبي

عن ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ «أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِي هَذَا؟ قَالَ: لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ.

«رواه البخاري رقم 526، ورقم 4687، ومسلم 2763»

وفي هذا الحديث قال «أصاب من امرأة قُبلة» أي فعلا دون الزنا الكامل، يوضح ذلك بعض ألفاظ رواية الإمام مسلم -رحمه الله- للحديث، حيث جاء فيها «أصاب رجل من امرأة شيئا دون الفاحشة»

ملحوظة: وفي قوله «لجميع أمتي كلهم» لم يحدد للرجال دون النساء.

حالة اغتصاب وقعت في العهد النبوي

رُوي أن امرأة خرجت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تريد الصلاة، فتلقاها رجل، فتجللها، فقضى حاجته منها، فصاحت، فانطلق، ومر عليها رجل فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها وأتوها، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما أمر به ليرجم، قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، فقال لها: اذهبي فقد غفر الله لك، وقال للرجل قولا حسنا، وقال للرجل الذي وقع عليها: ارجموه، وفي روايات أنه لم يأمر برجمه كونه تاب وإنما عزره «رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وغيرهم»

سرقة واختلاس للمال العام في العهد النبوي

قال النبي في خطبة له بعد عودة أحد عماله في بعض المدن «ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته» ثم قال «اللهم هل بلغت»

«رواه البخاري 7174 ومسلم 1832»

«خيانة عظمى» من قِبل أحد الصحابة

ما فعله حاطب بن أبي بلتعة في رواية مذكورة في كتب السير والأحاديث، من إرساله سرا كتابا لقريش يخبرهم فيه بمسير النبي إليهم، وكيف تم كشف الكتاب، وعفو النبي عن «حاطب»

هذه القصص وغيرها الكثير وقعت في عهد النبي بين من نسميهم صحابة، ولا ننسى الفتنة الكبرى التي وقعت بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- فالمقتتلون كلهم قاتِلُهم ومقتولهم جلهم من الصحابة، لا نتعدى عليهم، لكن نثبت أنهم يبقون بشرا غير معصومين.

كل ذلك أوردته لإثبات أمرين:

الأول: أن الخطأ هو جِبِلَّة في النفس البشرية، مهما ارتقت أو سمت، لكن الأمر المهم هو أن يدرك الإنسان خطأه، ويرد المظالم التي وقعت بسبب خطئه -إن وجدت- ويتوب عن خطئه مختارا نادما عازما وقتها على عدم العودة إليه.

فإن عاد -دون تبييت نية العودة حال توبته- ثم تاب مرة أخرى صادقا، فلا حرج عليه.

عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا قَالَ رَبِّ أَصَبْتُ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا… الحديث»

«رواه البخاري 7507، ومسلم 2758»

الأمر الثاني الذي أردت إثباته، هو ألا مجال لادعاء وجود زمن انتفت فيه الفتنة والمعصية، وأن زمننا يحتاج لسد ذرائع كثيرة كي نضمن له الفضيلة.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق