اَراء سعودية
قضايا معاصرة

التعليم بين التطوير والتنظيم والمسؤولية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تراكمت الإشكالات التي تواجه التعليم في مسيرته التنموية، بعد عقود من توسع التعليم بمختلف مستوياته، ولتصبح تحديات حقيقية كبيرة، إذ تداخلت المسؤوليات ما بين التعليم العام والخاص والتعليم العالي والكليات، علاوة على مسؤوليته عن التدريب التقني والمهني ومخرجاته لسنوات مضت، وعليه فإن تضخم حجم المسؤوليات وتشعب متطلباتها يُعد -بلا شك- حجر عثرة يعيق إمكانية ضبطه وتطويره بما يخدم تحقيق أهداف التعليم المأمولة، ويحد من القدرة على ترجمة استراتيجيته المستقبلية إلى منجز وطني متكامل، يمثل القاعدة الأساسية لبناء مواردنا البشرية.

تحتاج عملية تطوير التعليم بمساراته المختلفة إلى تنظيم إدارته وهيكلته بما يُمكِّن من احتوائه معرفيا وإداريا وفنيا، وذلك لا يتطلب فقط استراتيجية عميقة ومنظمة للمؤسسة التعليمية، بما يحمله مشروعها من رؤى مستقبلية لمخرجاتها، وإنما يتطلب كذلك –بدايةً- التحديد الدقيق لجميع جوانب المشكلة التي يواجهها تعليمنا في مسيرته التنموية، وذلك يشمل كل مستوياته وتفصيلاته لمحتواه، وعليها يمكننا المعالجة بما يتفق مع طبيعة تلك التحديات، وبما يُعزز من فرص نجاح العملية التطويرية الموجهة، لإصلاح التعليم ولتحسين جودة مخرجاته.

وحيث إن المجتمع الوطني بمختلف مؤسساته هو البيئة التي ستحتضن تلك المخرجات، فإن جميع المؤسسات الوطنية تُعد شريكة في التنمية والنجاح المنظور، لكونها مسؤولة عن استيعاب مواردنا البشرية في سوق العمل المتاح من العام والخاص، وذلك يتطلب بدوره منظومة متكاملة من الخطط والسياسات والإجراءات المتكاملة، ما بين التعليم وجميع مؤسسات الدولة في رسم السياسات والخطط المنظور تحقيقها، في إطار فترات زمنية تتم على مراحل تتابعية منظمة تتفق مع أهدافنا الاستراتيجية وتطلعاتنا التنموية.

هناك الكثير من التفاصيل التي يحملها مشروع تطوير التعليم العام في مساراته المعلنة ورؤيته التربوية لتطلعاته المستقبلية، سواء في الربط ما بين مخرجات التعليم وسوق العمل أو غيرها من التطلعات المأمولة، ولتعدد مضمونها فإنه لا يمكن تناولها مجتمعة، وعليه فإننا سنتناول جزءا طفيفا من إشكالية المرحلة التالية لمخرجات الثانوية، سواء كانت في برامج التجسير لدبلومات مهنية إدارية، أم في مرحلة التعليم الجامعي بمختلف تخصصاته.

تحتاج الدبلومات المهنية المستهدفة، إلى اطلاع وافٍ وعميق لمتطلبات سوق العمل في نوعية الموارد البشرية المطلوبة، بما يتفق مع المتطلبات الحالية والمستقبلية، وبما يسهم في تقديم كفاءات بشرية وطنية في مختلف التخصصات المهنية والفنية والتقنية بمستويات معرفية عالية الجودة ومهارات مهنية وفنية متميزة، بأن يتم تدريبها في سوق العمل القائم بمختلف مؤسساته، وذلك يقتضي التعاون بين إدارة الموارد البشرية، ووزارة التعليم منذ مرحلة الإعداد للمشروع ولخطة تنفيذه، وليس بعد تخرج تلك المخرجات، وإنما تبدأ منذ مرحلة إعداد الخطط التربوية والتعليمية والتدريبية لتلك الدبلومات بمختلف تخصصاتها، بما يسهم في تأمين محتوى معرفي ومهني مناسب وتدريب يكافئ فرص العمل المطلوبة، ونظام عمل داعم بمسميات وظيفية مناسبة لتخصصاتهم، وبمستويات مهنية وأجور لائقة، وبآلية تخدم تيسير توظيفهم فور تخرجهم، أو بتمكينهم من فتح مشروعات خاصة، سواء كانت فردية أم تشاركية، وذلك يتطلب بدوره تعاونا مؤسسيا، لتنظيم وتيسير الدعم المالي والإداري والفني من الجهات المعنية، الذي يرتبط بنوعية المشروع وحجمه وأهدافه المقصودة.

وللحد من نسبة الفاقد في التعليم، ولتخفيض نسبة القبول في الجامعات للتخصصات النظرية التي تدنى الطلب عليها في سوق العمل لأسباب مختلفة، فإن تطوير وتنظيم وتحديث سياسات القبول في الجامعات هي الفاصل في ذلك، وهي الحل السحري لمعالجة تلك الإشكالية في توجيه المقبولين في الجامعات إلى التخصصات المطلوبة تنمويا، ويكون بزيادة عدد مقاعد المقبولين في التخصصات المطلوبة معرفيا ومهنيا، وتقليص عددهم في التخصصات التي تعاني من تضخم في مخرجاتها، وذلك يتطلب بدوره تهيئة الكليات بأقسامها المختلفة وملحقاتها، لتوسيع طاقتها الاستيعابية من الطلاب، وذلك يشمل أعضاء هيئة تدريس وقاعات ومعامل ومستشفيات ومختبرات مختلفة وغيرها من المتطلبات الإدارية والأكاديمية.

مشروع تطوير التعليم يحتاج إلى استيعاب جوهر المشكلة، وإلى تعاون مؤسسي وتكامل في الاستراتيجيات والخطط والسياسات التنموية ما بين القطاعات المختلفة، وذلك يشمل –بدايةً- التنسيق ما بين التعليم العام والعالي وتنظيم سياساتهما وإجراءاتهما المتبعة، ثم التعاون بين قطاعات الدولة المختلفة المستقبلة لمواردنا البشرية، وبين المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها وتخصصاتها، لتأمين التوافق بين المخرجات وسوق العمل.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق