برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
بين الضفتين

التوجس يفسد متعة الحياة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لا يمكن أن يعيش الإنسان حياته متوجسا وخائفا من الإصابة بالأمراض والأوبئة، ومهما حاول عبثا أن يكون حريصا على التقيد بوسائل السلامة التي قد تجعله بمنأى عن الإصابة بها، فإنه حتما سيجد نفسه في نهاية المطاف مستسلما بشكل طوعي للسلوكيات التي تحكم مجتمعه، كأي كائن بشري معرض لمخاطر الحياة وتحديات الظروف المحيطة به.

إذا ليس من المنطق في شيء، أن يجعل المرء من التوجس بوصلته التي تسير حياته حيثما تشير عقاربها، وفي الاتجاهات التي قد تخالف رغباته واحتياجاته من تفاعل وتواصل اجتماعي مع الأقارب والأصدقاء، مكبلا نفسه بمتاريس القلق التي ربما تقوده إلى نتائج كارثية لا تقل خطورة عن الإصابة بالوباء، حين يحتل الخوف المساحة الأكبر في عقله ويشله عن التفكير بحجة الاحتراز من الوقوع في فخ كورونا.

ولكم أن تتخيلوا كم سنخسر من متع الحياة بعد أن يكون الخوف هو العنوان الأبرز للمرحلة القادمة، وكيف أننا بلا وعي أقنعنا أنفسنا بأننا في صراع مقبل مع الموت الذي يتربص بنا في كل مكان نقصده، دون أن نتبصر حقيقة الأزمة وما هي مآلاتها المتوقعة؟ فالبشر على امتداد التاريخ كانوا عرضةً للأمراض الخطيرة والأوبئة الفتاكة، إلا أنهم لم يتوقفوا عن الحياة بحجة الخوف من تجربة المرض لأنهم -مثلما نحن الآن- كانوا سيموتون معنويا قبل أن يوهن الوباء أجسادهم وأرواحهم، وحينها ستكون خسارتهم مضاعفة ومؤلمة لأنهم كانوا سيفقدون المعنى الحقيقي للحياة، وهم على قيدها محاصرين بالخوف والتشاؤم من كل شيء.

إن أرقام التعافي من فايروس كورونا أصدق دليل على أنه ليس بالخطورة التي نتوهمها، وأن أعداد ضحاياه لم تبلغ 400 ألف حالة حتى هذه اللحظة، حيث لم تصل إلى الرقم المخيف لعدد ضحايا الأنفلونزا الإسبانية الذي تجاوز في بعض التقديرات 50 مليون ضحية، بينما عدد المصابين في تلك الفترة تجاوز 500 مليون إنسان، أي ما يوازي ثلث تعداد الكرة الأرضية في ذلك الوقت، ومع هذا استمرت الحياة رغم ما رافقها من مآسٍ مؤلمة.

علينا أن نعترف بأن الدولة بذلت كل ما في وسعها وطبقت إجراءات صارمة للحد من انتشار الفايروس، مثلها مثل بقية دول العالم، واستطاعت أن تكافح الوباء بفعالية رغم عدم تقيد البعض بتعليمات وتوجيهات وزارة الصحة، إلا أنها أدركت أن استمرار الحظر سيؤدي إلى شلل الحياة اجتماعيا واقتصاديا، وهذا من شأنه إدخال المجتمع في دوامة من السلبيات التي لا تنتهي.

من المفترض أن إدراكنا لأبعاد الأزمة هو عامل الحسم في سلامتنا وسلامة من حولنا، فما نحتاجه الآن هو أن نحرر عقولنا من المخاوف غير المبررة وألا نفرط في الحذر في تعاملاتنا اليومية فيما بيننا، وأن نحاول قدر المستطاع الابتعاد عن التجمعات الكبيرة فهي أكبر مصدر لانتقال العدوى من شخص لآخر، وما عدا ذلك سيكون من السهل التغلب عليه طالما أن الغالبية العظمى اعتادت خلال فترة الحظر على اتباع الإرشادات الصحية.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق