اَراء سعودية
ناصية

عدنا بوعيٍ جديدٍ وسلوكٍ حذرٍ

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عادةً ما يطرأُ تغيرٌ على سلوكِنا بعد تجاربَ عميقةٍ مؤثرةٍ، إذ مهما كانت موغلةً في الصعوبةِ والقسوةِ، إلا أنها تعملُ في جانبٍ خفيٍ منها على صقلِ مهاراتِنا في التعاملِ مع ما سيواجهُنا مرةً أخرى، ولكلٍ منّا على الصعيدِ الشخصيِ ما يمكنُ سردُه من قصصٍ ومواقفَ تعرّض لها، وعلى الرغمِ مما نتجَ عنها من آلامٍ إلا أنه يستطيع –بوعيٍ جديدٍ- أن يستخلصَ منها العبرَ والفوائدَ المفضيةَ إلى الخلاصِ مما يشبهُها، خاصةً إذا تماسّت مع وضعِه الصحيِ أو المعيشيِ أو حتى في تعاملاتِه واتصالِهِ اليوميِ مع الناسِ، ويكادُ يجزمُ الخبراءُ وأهلُ الدرايةِ أن الحكمةَ هي ثمارُ معاركِ الحياةِ وصراعاتُها التي لا تنتهي، فهي مع تواليها تزيدُ المرءَ خبرةً تتنامى معها حكمتُهُ وتتجلى فلسفتُهُ التي يتكئُ عليها.

وها نحن اليوم نعودُ إلى سيرورةِ الحياةِ بعد السماحِ بالتجولِ الجزئيِ المزمّنِ أو ما أسمّيه «التجريبي» إثرَ ما يمرّ به العالمُ جراءَ جائحةِ كورونا الفتاكةِ، فماذا نحن فاعلون؟ أعلمُ يقينا أنّ نسبةً كبيرةً من المجتمعِ قد اكتسبت مهاراتٍ صحيةً وقائيةً ليس لها أن تتخلى عنها لزمنٍ طويلٍ، وهذا مؤشرٌ على تنامي الحسِّ الإدراكيِ، والشعورِ بالمسؤوليةِ تجاهَ الأسرةِ من ناحيةٍ والمجتمعِ من ناحيةٍ أخرى، وسيظهر ذلك جليا في الالتزامِ بالاحترازاتِ اللازمةِ حتى بعد السماحِ بالحياةِ الطبيعيةِ الكاملةِ، فمن لدغهُ الثعبانُ سيخافُ من الحبلِ، كما يقولُ المثلُ، هذه النسبةُ الكبيرةُ ستكونُ عونا للجهاتِ الرسميةِ في أدائها الرقابي، وستوفر درعا حصينةً في وجهِ المتخاذلينَ وغير المبالينَ، الذي يفتقدون إلى أهمِ مبادئِ التكافلِ المجتمعيِ وثقافةِ العملِ البنّاءِ مقدمين رغباتِهم الخاصةَ على أسسٍ أخلاقيةٍ راسخةٍ، منها احترامُ القانونِ، ورفدُ السلوكِ الإيجابيِ، ناهيكَ عن الإيثارِ في التخليِ عن بعضِ الكمالياتِ مقابل الضرورياتِ.

هذه الفئةُ -على قلّتها- يمكنُ أن تكون عاملا رئيسا في انتكاسةٍ نعودُ معها إلى الحظرِ والحجرِ، فالعبرةُ ليست بالأغلبيةِ خاصةً فيما يتعلقُ بهذا الفايروس الذي لا يحتاجُ سوى لنفر قليلين يعيدون نشرَه وتشكيلَ بؤره وتوسيعَ مساحةِ فتكه، فما أحوجُنا إلى أن نتعلّمَ من هذهِ التجربةِ المريرةِ التي فقدنا فيها أحبةً لنا أوجعنا فراقُهم، وابتعدنا خلالها عن الأهلِ والأقاربِ والأصدقاءِ، ما أحوجنا إلى وعيٍ مثمرٍ وسلوكٍ حذرٍ فطنٍ مسؤولٍ.

يحيى العلكمي

يحيى بن محمد العلكمي، متخصص في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، عمل رئيسًا لتحرير مجلة بيادر الصادرة عن نادي أبها الأدبي ، ورئيسًا لقسم اللغة العربية و لجنة التدريب والتطوير في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير. مدرب معتمد من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، عضو منتدى السرد بنادي أبها الأدبي. و عضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، عمل في الصحافة، وكتب المقال في عدد من وسائل الاعلام المحلية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق