قلم يهتف

الحدودُ الأوروبيةُ مِن جديد

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل

ستٌّ وعشرونَ دولةً ألغت الحدودَ الجغرافيةَ بينها لعقودٍ من الزمن، حتى إنه باتَ من الصعوبةِ بمكانٍ أن تعثرَ على الحدِ الجغرافيِ بين دولةٍ وأخرى، ثم فجأة، بقدرةِ قادرٍ، تعودُ تلك الحدودُ إلى الواجهةِ من جديدٍ، ذلك في القارةِ العجوزِ، قارةِ أوروبا.

كنتُ ذات يوم بين ألمانيا والنمسا، في موقعٍ من الشرقِ الألمانيِ ونقطةِ تماسِّه مع الغربِ النمساويِ، فأحسستُ أننا قد عبرنا الحدودَ إلى النمسا، قادمين من الغرب، تحديدا إلى مدينةٍ نمساويةٍ تسمى إنسبروك من منفذ كوفشتاين، فسألتُ من كان معي عن الحدّ الفاصلِ بين الدولتين، فأجاب: أرأيتَ تلك اللوحةَ الصغيرةَ الزرقاءَ التي على جانب الطريق؟ قلتُ: رأيتُها، قال: تلك ما تبقّى من الحدود بين الدولتين، وربما أنّها قد نُسِيَتْ عن طريقِ الخطأ.

تجتمعُ الدولُ الأوروبيةُ على ما يدعمُ مصالحَها المشتركةَ، وكانت تأشيرةُ «الشنجن» هي إحدى أدوات مرونتِها للتماهي مع اتساعِ رقعتِها الجغرافيةِ وتنامي اقتصاداتها بكل أشكالِها، لاسيّما السياحيةِ منها، فكان إلغاءُ الحدودِ مطلبا ضروريا لسهولةِ التنقلِ من بلدٍ إلى آخر، لدرجةِ أن السائحَ قد ينزلُ في مطارِ بلدٍ ويعودُ إلى ديارِه من مطارِ بلدٍ آخر.

لم يعد في مُخَيّلةِ أيّ أحدٍ من مواطني الدولِ الأوروبيةِ أن يرى الحدودَ الجغرافيةَ بشكلها القديمِ فيما بين دولِهم، ولكنْ مع جائحةِ كورونا عادتْ تلك الحدودُ في لمحِ البصر، وأغْلِقتْ بين دولةٍ وجارتها، بل وشُدِّدتْ الإجراءاتُ فيما بينها، لمنع الدخولِ والخروجِ.

تذكّرتُ هذا الأمر وأنا أشاهدُ خبرا في نشرةِ الأخبارِ، أنّ فرنسا تدعو جاراتِها من الدولِ الأوروبيةِ لفتحِ الحدودِ فيما بينها، لتعودَ الحياةُ إلى طبيعتِها، وإنْ بشكلٍ تدريجيٍّ، سبحانَ مُغيّر الأحوال، الذي يُغيّرُ ولا يتغيّر، لم يعدْ في هذا الزمن أمرٌ مستغربٌ أبدا.

محمد آل سعد

خبير تقويم تعليم، مهتم بالتنمية البشرية والتخطيط والتطوير حيث عمل مديراً للتخطيط والتطوير بوزارة التعليم في منطقة نجران. عضو مجلس إدارة نادي نجران الأدبي سابقاً, شارك في العديد من المؤتمرات داخليا وخارجيا , له 8 مؤلفات متنوعة , كتب في العديد من الصحف السعودية بالإنحليزية والعربية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى