اَراء سعودية
غدق

التعصب والعنصرية بؤر ضيقة كخرم الإبرة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

التعصب والعنصرية من الأمراض النفسية المستعصية، التي تنخر في جسد المجتمعات حتى تضعفها وتوهنها وتلقيها في غياهب الجب، مثل الحماقة ليس لها دواء، للتعصب والعنصرية منعطفات ودهاليز وبؤر ضيقة كخرم الإبرة، لهما روائح كريهة، وأصواتهما مزعجة تشبه أصوات الضفادع والبوم والغربان، لهما سواد وعتمة ورمادية تؤدي للنكوص والتخلف، المجتمع الحي المدرك الواعي ينبذهما ويلفظهما ويرميهما بحجر كبير.

إن المجتمع الحي المثقف الواعي هو الذي يهدم جدران التعصب وصروح العنصرية، كونه لا يؤمن بهما ويعتبرهما معاقات ومصدات للرقي والطموح والتحدي ومجارات العالم المتقدم، كونه يؤمن بالعلم والعمل والثبات والإبداع والاختراع، ويبحث بجد عن طرق البناء، وتأسيس حضارة، فالمجتمعات التي تؤمن بالتعصب والعنصرية وتتخذهما نبراسا ومنارة وتصيح عليهما، لن تتقدم قيد أنملة أبدا، حتى تقضي على التعصب وتميت العنصرية وتدفنهما للأبد المطلق.

إن العنصرية والتعصب يهدمان القيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية، ولا يجلبان سوى إثارة النعرات القبلية والتميز الطبقي، وهما تربة صالحة تنمو فيها نباتات «الهياط» الذي يشحن الناس ويأخذهما نحو دوائر الرجعية والتخلف.

إن العنصرية والتعصب داءان خطيران أشد من كورونا، كونهما يتنافيان مع كرامة الإنسان ومبدأ العدل والمساواة، فالدين الإسلامي رسخ مفهوم الكرامة بغض النظر عن اللون والجنس واللغة والعرق، وجعل العزة والكرامة حقا أصيلا لكل إنسان، وهذا الشيء ثابت ولا يجوز الانتقاص منه، لأنه شرف من الله للإنسان وتكريم له.

إن التعصب والعنصرية شيئان بغيضان ومنتنان يسهمان في بث الفرقة، وينخران في جسد اللحمة الوطنية، ويفسدان المجتمع ويفتان من عضده، ويجرانه نحو مستنقعات الجهل والظلام، ولهما آثار وخيمة، وعواقبهما سيئة.

تجريم التعصب والعنصرية بكل أنواعهما وأشكالهما يجب أن يعمل به ويتم التعامل معه وتطبيقه بحزم، وعلى المؤسسات التعليمية التصدي لهما من خلال وجود مناهج تعليم تؤكد على نبذ التعصب والعنصرية، وتوعية الطلاب والطالبات في كل المراحل الدراسية وحتى الجامعية، بخطورة هذا الأمر وتجريمه، حتى ينشأ جيل واعٍ بعيدا عن النعرات الطائفية والمذهبية، وحتى القضاء والتخلص من هذين البلاءين الذميمين.

إن كل من يمارس التعصب والعنصرية ويدعو لهما يجب أن يحاسب ويعاقب فورا وبشدة، حتى يكون عبرة لغيره، وإلا فإن المشكلة ستكون قائمة دون حلول حقيقية وجذرية، سيما ونحن في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي الذي أصبح من خلالها الانتقاص من الآخرين يحدث بسهولة ويسر وبلا ضابط أو رابط، فالعنصرية والتعصب مرضان يصيبان العقل، وينخرانه حتى يتبلد.

إن العقليات الواهمة الزائفة التي أفرزت هذه المفاهيم البائدة على مر السنين، قد أحدثت شرخا كبيرا في المفهوم الإنساني وطرق التعايش والتفاهم بين الناس، وفق مبادئ العدل والمساواة التي نادى بها ديننا الإسلامي الحنيف، المرتكز على أن الجنس البشري واحد، يسكن كوكبا واحدا، ومرتبط بمصير مشترك واحد.

إن بلادنا جسدت المعايير الدينية والدولية لحقوق الإنسان، ودعت في كل المحافل الدولية والإقليمية لتثبيت هذه المعايير، وساهمت مساهمة فعالة ومكثفة في هذا الشأن، حتى يعيش الناس في كنف العدل والمساواة، بعيدا عن مهاترات العنصرية، ولغو التعصب.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق