برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
شرفة

بل دين ودولة

  • تعقيبا على مقالة الزميل أحمد هاشم المنشورة في العدد 515 بتاريخ 29/5/2020م، بعنوان «فصل الدين عن الدولة» حيث أورد مسوغات ذلك، ومنها فتاوى «غريبة» وما يخص التعايش الطائفي بين المذاهب، وقد سبقتنا أمم إلى موضوع الفصل بين الدين والدولة، وأوروبا المعاصرة مثال حي على الدول العلمانية وتبعات الحروب على الدين، وما حدث للقيم فيها.

    فعلى العكس من الإسلام، فإن الرهبنة الكنسية التي أدخلها بوليس «Paul» ثم عززها وذهب بها بعيدا الفيلسوف أوغسطينوس «St. Augustine» منذ قرون، حرفت النصرانية، ورهنت العلاقة البشرية بالرب من خلال القساوسة والرهبان والأحبار فقط، وغالت فيهم، وطالت أيادي التحريف الكتب المقدسة، ولم يبق من أصلها إلا شواهد قليلة والباقي آراء للفلاسفة والرهبان والقديسين، وقد فشل الأعداء لتحريف الوحيين، ولعل آخرها ما ورد في تقرير راند «الإسلام المدني الديمقراطي» الذي أوصى بضرورة تحريف القرآن، وتعديل الحديث وغيرها.

    لقد أدى وشجع التدخل البشري في تعاليم النصرانية إلى التحرر من الدين وفصله عن الحياة «ما لله لله وما لقيصر لقصير» واستغل القوميون والليبراليون وغيرهم، اختلاف الأحزاب والطوائف النصرانية المتعددة، وركبوا موجة الدين واستخدموها مطية للتخلص من التعاليم الدينية برمتها، وجاءت الثورة الفرنسية عام 1789م، فحققت لهم مرادهم وأجهزت على ما تبقى من الدين، فعم الإلحاد ومسخت القيم، وتفشى الفساد الأخلاقي، وانتشرت الطبقية والرأسمالية والإباحية، في خروج واضح عن الدين، لأن هذا من مقتضيات الدولة المدنية العلمانية.

    إن فصل الإسلام عن دولة مثل السعودية قد يؤدي إلى اختلال مجتمعي كبير في دولة هي منبع الإسلام ومحضنه وقبلته ومأرزه، ومستمدة حكمها من الكتاب والسنة بوضوح وثبات وانسجام، بين مقتضيات الدين وضروريات الحياة لقرون، إن أي فصل قد يؤدي إلى ضمور القيم الثابتة لدى المجتمع، وقد يولد الاحتقان العقدي والفكري والسياسي، وقد يقود إلى ردود أفعال متطرفة باتخاذ الدفاع عن الإسلام عندئذ ذريعة وأداة للصراع بين فئات المجتمع ولتصفية الحسابات، ولجني مكاسب سياسية كما يحدث للأمم حولنا.

    ولننظر للعنف الذي يجتاح دول الغرب اليوم من أحزاب التطرف المختلفة في ظل غياب المرجعية الربانية، ولعل الأحداث التي تعصف بالشارع الأمريكي اليوم بعد مقتل «جورج فلويد» دليل واضح على أنها إذا غابت شريعة السماء سادت شريعة الغاب.

    فعلينا ألا نذهب بعيدا تحت أي تأثير مؤقت ونعمد للمطالبة بإقصاء أو تحجيم الدين عن الحياة اليومية للناس، وكأن ذلك هو الحل لبعض إخفاقاتنا أو مشاكلنا المجتمعية.

    ولنا أن نطالب بتقنين الفتوى وبتنقية الإسلام من الشوائب الدخيلة عليه، ونستند في ذلك إلى ثوابت الدين الصحيحة، فالمشكاة ناصعة والمعين غير ناضب، فلم تتدخل أيادٍ كهنوتية لتحريف القرآن أو صحيح السنة، وهذا من حفظ الله لكتابه ووحيه وسنة نبيه «عليه الصلاة والسلام»

    ونحتاج كذلك لتعزيز حرية المواطن وضمان حقوقه كاملة ضمن تعاليم الدين وعدله وسماحته، وفي إطار الوطن الواحد والوحدة الوطنية، وندرك أنه لا وصاية لأحد على مسلم في دينه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالأصول ثابتة وواضحة في الكتاب والسنة، والله ضمن للعبد حرية الحياة والمعتقد والاتباع، وكلٌ حسيب نفسه.

  • أحمد آل مفرح

    من مواليد أبها، عضو سابق في مجلس الشورى السعودي لثلاث دورات متتالية، حاصل على بكالوريوس الأدب الإنجليزي من جامعة ميري ماونت بفيرجينا الأمريكية ١٩٩٣م، والماجستير في تنمية المواد البشرية والإدارة من جامعة جورج واشنطن علم ١٩٩٤م، والدكتوراه في الإدارة التعليمية من الجامعة الأمريكية بواشنطن دي سي عام ١٩٩٧م. عمل عميدًا للبرامج التدريبية وخدمة المجتمع بكليات المعلمين، ثم مديرًا عامًا للإشراف التربوي بوزارة التعليم، رأس اللجنة التعليمية بالمجلس، وانتخب رئيسًا لمنتدى البرلمانيين العرب للتربية. عمل في الشأن الرياضي والشبابي، حيث عين نائبًا ثم رئيسًا للاتحاد السعودي للجودو والتايكوندو، وانتخب عضوًا باللجنة الأولمبية السعودية، وعضوًا في الاتحاد الآسيوي للتايكوندو، ويحمل الشارة الخشبية الكشفية. له إسهامات ثقافية، حيث نشر كتابه الأول «لم الوجل؟» من إصدارات نادي أبها الأدبي، وكتب ويكتب في العديد من الصحف المحلية الورقية والإلكترونية، وله مشاركات في العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية. يعمل حاليًا مستشارًا في هيئة حقوق الإنسان، وهو عضو مؤسس ونائب لرئيس جمعية الطيارين السعودية، وساهم في الكثير من البرامج التطوعية واللجان التخصصية.

    اترك ردًا

    زر الذهاب إلى الأعلى
    إغلاق