اَراء سعودية
رجع الأفياء

دبيبُ الفوضى

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

للفوضى دبيبٌ يبدأ هيّنا ليّنا لكنه يتمادى إلى أن يقوّضَ كلَ جميلٍ، وللدبيبِ خاصيّتان: السرعةُ والقدرةُ على التخفّي، تماما كما يفعلُ «كورونا» الذي يتنكرُ في ثيابِ أنفلونزا صديقةٍ ثم يستقرُ في شعابِ الرئةِ مثل «لافا» حارقة، وهكذا أيضا كانت كلُ ثوراتِ الربيعِ العربيِ، تدبُ على الأرضِ وترتدي أقنعةً تبدو للرائي وكأنها أحلامُ الجماهير، حتى إذا ارتفعَ الضحى بان للناسِ أنها «ضِرْبانٌ» نتنُ الرائحة أخرجوه بالأمسِ من البابِ وهو يحاولُ العودةَ من النافذةِ.

وما يحدث الآن في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ هو دبيبُ فوضى يستهدفُ تقويضَ الدولةِ، فوضى تتنكرُ في زِيِ غضبةٍ على مقتلِ «جورج فلويد» الجريمةِ الشنيعةِ التي حدثت تحتَ ركبةِ ضابطٍ أرعنَ تنكرَ لمهنتِه ولوطنِه في صورةٍ صادمةٍ مؤلمةٍ ستبقى سكينا تقوّر شغاف القلب دهرا، ومع ذلك فإن الذي يحدثُ لا يمكنُ اعتبارَه ردةَ فعلِ شعبٍ متحضرٍ على تلك الجريمةِ رغم قسوتِها، الشعبُ الذي نراهنُ على تحضّرِه لا يمكنُ أن يحرقَ ويحطمَ ويسلبَ ويروعَ الآمنين احتجاجا على جريمةٍ مهما كانت.

هناك أكثرُ من فكٍ مفترسٍ يتربصُ بالولاياتِ المتحدةِ، منها حركةُ «الأنتيفا» التي حملّها الرئيسُ ترامب مسؤوليةَ ما يحدث، وهي حركةٌ تتبنى فلسفةً أناركيةً رافضةً للسلطة، أي سلطةِ، وترى أن الجمعياتِ المدنيةَ غيرَ الهرميةِ يمكنُ أن تدبرَ شأنَ أمةٍ تخلو من الرأسماليةِ وتقاليدها.

وهناك من يشمُ رائحةَ صراعٍ انتخابيٍ يؤثرُ على تلك الأحداثِ أو يسهمُ في توجيهها، وهناك من يتحدثُ عن روسيا وعن الصين وغيرهما من لاعبي المعتركِ، لكن الخلاصةَ أن الأمرَ مريبٌ والولاياتِ المتحدةَ لا تستحقُ هذا القدرَ من الفوضى.

الولاياتُ المتحدةُ قد تسعرت على أرضِها حربٌ ضروسٌ وقدمت ملايين الضحايا لتحريرِ أرقائها، ومهما طغت الحوادثُ العنصريةُ المقيتةُ هنا وهناك، لكنها تظل شذوذا مستهجنا في بلدٍ يلوذ به الخائفون، ويرفع الكثيرُ من موازينِ العدلِ في عالمٍ يموجُ بالأشرارِ، وخيرُ ردةِ فعلٍ على مقتلِ ذلك المواطنِ البائسِ ألا تتراخى همةُ الرئيسِ في إيقافِ دبيبِ الفوضى، وألا يقامرُ الأمريكيون بعظمةِ دولتِهم وتفوقِها الشاملِ.

محمد ربيع

محمد بن ربيع ، ولد في 1954م ودرس في مدارس الباحة والطائف، ثم في مدارس دار التوحيد بالطائف، تخرج في كلية التربية بمكة عام 1396هـ. يكتب القصة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والمقالات العامة والمحاضرات التي تناولت المسرح المدرسي والموروث الشعبي والسير الشعبية نشرها في صحف ومجلات سعودية. له العديد من المؤلفات منها مفردات الموروث الشعبي، ذاكرة الفواجع المنسية (حكايات شعبية) ورجل تدركه الأبصار (قصص).

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق