برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

الذات المثقفة

لعل الذات المثقفةِ برعت بفاعليتها وحضورها في مواجهة من يتهمها بالعزلة والاغتراب، ولعلها برِأت أيضاً من تهمة النخبوية والفوقية لكونها نقيضة الذات الجاهلة والمنعزلة، فبماذا تفرق عنهما يا ترى؟

إن الذات الجاهلة ضاربة بالعمق والمضمون عرض الحائط! متشدقه بالمعرفة الزائفة، والبهرجة الصارخة في جميع المحافل، والاجتماعات حتى لا يكاد يحظى الجمهور منها إلا بفتات فائدة لا تسوى تجشمه عناء الحضور مما يجعله يسخر من تمنطقها ببعض المصطلحات التي ترمي بها في كلامها للمباهاة.. ليس إلا! متوهمة أنها تقدم مادة جاذبة في حين أن المتلقي لا يلمس من نارها المزعومة سوى الرماد.

أما الذات المنعزلة فمستوحشة ـ يقول “أرسطو”: كل من يطلب الوحدة وحش أو إله ـ فأنّى لها أن تحدث التغيير وهي منكفئة في العزلة كشأن بعض مثقفينا الذين يعيشون جُلّ حياتهم في الخارج وينشدون التأثير في مجتمعاتهم!

لكن الذات المثقفة مستقلة، وحرة، ومتواضعة، تهدف ـ دوناً عن بقية الذوات ـ لتغيير الأنماط في المجتمعات لاتسامها بالرقي، وعمق المعرفة وهي تتصف بصفة نادرة فتجمع بين التمرد على القيود والمحافظة على المألوف وفي نفس الوقت محبوبةٌ فاعلةٌ وخلوقة تخلو من الازدواجية والتناقض، موقفها ثابت إزاء من يسعى لهدم هويتها لإحلال هويته فتقاتله في معركة الحياة ببسالة ليخرج مخذولاً يجر أذيال الخيبة، وقد سُئل أحد الساسة عن متى بدأ أول انكسارٍ للدولة العثمانية؟ قال: من أول انتصار لها! وذلك لأنها لم تفرض هويتها على المغلوبين بفرض لغتها! ولا يغيب عنا كم تعرضت منطقة نجد والحجاز لأقسى أنواع الاعتداء ولم تسقط هويتها بسبب ثبات ذاتها المثقفة ـ من أجل ذلك كفى الغزو الفكري المحتلين عناء القتال حيث يتكفل بهدم الهوية بلا إراقة دم أو مال ـ هذا والفرق واضح وجليّ بين إحلال الهوية وتبادل الثقافة.

إن الذات المثقفة وحدها من تملك أدوات التغيير كما ذكر “جبرا”، فبالرغم من أنها ترفض أفكار المجتمع والمجتمع يرفض أفكارها إلا أنها تملك إقناعه ليولد الإبداع كطفرة مبتكرة من طرفي النقيض.

رأي : فاطمة اليعيش

f.alyaeesh@saudiopinion.org

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق