اَراء سعودية
بين الضفتين

عنصرية الإنسان المتجذرة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

القوانين ليست حلولا سحرية للقضاء على عنصرية الإنسان، لكنها في أسوأ الاحتمالات تجرم وتعاقب من يمارسها وفق ما تنص عليه أحكامها من عقوبات وغرامات قد تكون رادعة، وهذا بحد ذاته عامل مهم للحد من آثارها السلبية على الأفراد والجماعات، بحيث تكون سلاحا رادعا يمكن إشهاره في وجه العنصريين، ليكفوا عن إلحاق الأذى بشركائهم في الوطن.

بيد أني لا أظن أن العالم سيخلو يوما ما من العنصرية وشقيقاتها الأخريات من آفات البشر المتراكمة منذ بداية الخلق، فطبيعة البشر تحكمها عدة عوامل لا يمكن السيطرة عليها في كل المجتمعات، إذ إنه ربما في نفس العائلة الواحدة تولد فوارق هائلة بين الأشقاء في السلوكيات والطبائع، التي قد تجعلنا نصاب بالذهول من الاختلاف الكبير بينهم، وهي من نواميس الكون الأزلية التي ليس باستطاعتنا التحكم فيها، مهما طبقنا من النظريات التربوية الحديثة، طالما أن الإنسان في حاجة دائمة للتواصل الاجتماعي مع أقرانه والمحيطين به، ما يساهم في تشكيل شخصيته والتأثير فيه سلبا وإيجابا.

كلنا نعرف أن جريمة القتل العنصرية التي ارتكبها شرطي أمريكي أبيض في حق مواطن أمريكي أسود، ليست الأولى من نوعها، فلا تزال مشاهد جرائم القتل العنصرية لذوي البشرة السمراء، في مدينتي بالتيمور وفيرغسون الأمريكيتين عالقة في ذاكرة الشعب الأمريكي، وهي قريبة عهد، إذ إنها حدثت إبان الفترة الثانية من حكم أول رئيس أسود في تاريخ أمريكا، التي يعتبرها الكثير من المحللين، أنها من أكبر الانتهاكات بشاعة لحقوق الإنسان في التاريخ الحديث للولايات المتحدة.

لكن هذا لا يعني أن العنصرية محصورة في فئة دون فئات أخرى، بل إنه من الظلم أن نتجاهل الاعتداءات العنيفة التي تعرض لها ذوو البشرة البيضاء، على يد بعض العنصريين من ذوي البشرة السمراء خلال الأيام الماضية، ولا مجال هنا لوصفها بأنها ردة فعل على جريمة القتل العنصرية لأصحاب البشرة السمراء، لأن القاتل في هذه الحالة يمثل نفسه ولا يمثل من يماثلونه لونا وعرقا من أبناء جلدته.

إن العنصرية لا تقف عند لون بشرة بعينها ولا طبقة اجتماعية محددة ولا كذلك عند نزعة مناطقية أو قبلية، بل هي متجذرة في السلوك الإنساني وإن اختلفت أنماطها من شخص لآخر، فهي دائما ما تقود إلى ارتكاب الجرائم واضطهاد الآخرين تحت تأثير الأوهام الراسخة في أذهان العنصريين.

أما القول بأن التحضر والتمدن أفضل خيار للقضاء على العنصرية هو من باب المثالية الزائفة، التي تربط بشكل عنصري كل الظواهر الاجتماعية السيئة بالطبقات المتدنية علميا وحضاريا، مع أن الحركات الأكثر تطرفا وعنصرية في العصر الحديث تأسست وتشكلت في المجتمعات الأكثر تمدنا وتطورا اجتماعيا في أوروبا وأمريكا، مثل النازية والفاشية وأنصار الرب وغيرهم، إذ لا تزال حتى هذه اللحظة يتوارثها الأبناء والأحفاد، على الرغم من القوانين التي تحظر أنشطتها وتجرم أتباعها، إلا أنها حاضرة بأكثر من شكل وصورة في البانوراما الاجتماعية.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

تعليق واحد

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق