أ ب ت

واضربوهن!

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

يملأ المسلمون الأرض ضجيجا برحمة الإسلام وتطبيقه لمبادئ حقوق الإنسان وصونها، ليأتي بعض المفسرين لكتاب الله تعالى، بوجوب ضرب المرأة عند نشوزها، استنادا إلى سورة النساء في آيتها رقم 34: «وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا»

المفسرون حاولوا على مر الأزمنة التقليل من وطأة ذلك الأمر الجلل، خاصة وأنه أصبح ذريعة لغير المسلمين للنفاذ منه للطعن في الإسلام ورحمته، فوضع البعض شروطا للضرب، والبعض الآخر قال إن الضرب يكون بالسواك أو فرشاة الأسنان، وتناسوا أن الضرب هو الضرب وأن العنف بأي صورة كانت مادية أو معنوية هو عنف تستهجنه قوانين حقوق الإنسان، ويستهجنه الدين الإسلامي ذاته، بل إن العنف المعنوي يعد الأكثر أثرا.

إذن أين يكمن الخلل؟

وردت لفظة «ضرب» ومشتقاتها في القرآن الكريم 58 مرة وحصرت في 17 معنى، فجاءت بمعنى التشبيه، كما قال الله تعالى في سورة الحج: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ» 73، والسفر والانتقال « … إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ … » المائدة 106، وجاءت كذلك بمعنى التغطية والستر «فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا» الكهف 11، والتباعد في قوله تبارك: «فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ» الشعراء:63، والفصل كما في قوله سبحانه جلّ وعلا: «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ» الأنفال: 12، وغيرها من المعاني.

الفيصل في المعنى يعتمد على أن معرفة اللغة شرط مهم في إيضاح المعنى، وهي مدرسة قديمة اعتمد عليها أغلب الصحابة والتابعين في فهم كتاب الله وتلاوته.

في معجم لسان العرب لـ«ابن منظور» يقول: وضَرَبْتُ في الأَرض أَبْتَغِـي الخَيْرَ من الرزق؛ قال اللّه، عز وجل: وإِذا ضَرَبْتُم في الأَرض؛ أَي سافرتم، وقوله تعالى: لا يسْـتَطِـيعُونَ ضَرْبا في الأَرض. يقال: ضَرَبَ في الأَرض إِذا سار فيها مسافرا فهو ضارِبٌ.

وضَرَبَت الطيرُ: ذَهَبَتْ. والضَّرْب: الإِسراع في السَّير. وفي الحديث: لا تُضْرَبُ أَكباد الإِبل إِلاَّ إِلى ثلاثة مساجدَ أَي لا تُرْكَبُ ولا يُسارُ عليها. يقال:ضَرَبْتُ في الأَرض إِذا سافَرْتَ تَبْتَغِـي الرزقَ.

وضَرَبَ بيدِه إِلى كذا: أَهْوَى. وضَرَبَ على يَدِه: أَمْسَكَ. وضَرَبَ على يَدِه: كَفَّهُ عن الشيءِ. وضَرَبَ على يَدِ فُلانٍ إِذا حَجر عليه.

وأَضْرَبْتُ عن الشيءِ: كَفَفْتُ وأَعْرَضْتُ، وضَرَبَ عنه الذِّكْرَ وأَضْرَبَ عنه: صَرَفَه، وأَضْرَبَ عنه أَي أَعْرَض، وقولُه عز وجل: أَفَنَضْرِبُ عنكم الذِّكْرَ صَفْحا؟ أَي نُهْمِلكم، ويقال: ضَرَبْتُ فلانا عن فلان أَي كففته عنه، فأَضْرَبَ عنه إِضْرابا إِذا كَفَّ، وأَضْرَبَ فلانٌ عن الأَمر فهو مُضْرِبٌ إِذا كَفَّ.

وفي حديث الـمُغِيرة: أَن النبي -صلى اللّه عليه وسلم- انْطَلَقَ حتى تَوارَى عني، فضَرَبَ الخَلاَءَ ثم جاء يقال: ذَهَبَ يَضْرِبُ الغائطَ والخلاءَ والأَرْضَ إِذا ذهب وغادر لقضاء الحاجة. ومنه الحديث: لا يَذْهَب الرَّجُلانِ يَضرِبانِ الغائطَ يَتَحَدَّثانِ.

مما سبق يتضح أن للضرب معاني مختلفة ومتعددة ومغايرة عن معناه التقليدي، وبالرجوع إلى السنة النبوية، فإننا لا نجد أي إشارة لحث الرسول الكريم على ضرب الرجال لنسائهن، فهو شخصيا لم يُعرف عنه نهائيا أنه استخدم العنف البدني تجاه نسائه، فلو كان الضرب مسموحا به شرعا كما فهمه البعض من منطوق الآية، لفعله الرسول الكريم، فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا» فضلا عن الأحاديث الواردة في هذا الشأن تستهجن الضرب للتعامل بين الرجل والمرأة، بل تصل حد النهى، كما في الحديث المروي عن إياس بن عبدالله بن أبى ذباب: لاَ تَضْربُوا إِمَاءَ اللَّهِ، وفى صحيحي البخاري ومسلم، والبيهقي حديث «أَيَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ كَمَا يَضْرِبُ الْعَبْدَ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ»

وهنا، طالما أن السنة النبوية استنكرت، بل منعت ضرب الرجل للمرأة، فإن معنى الضرب التقليدي سيسقط خلال عملية فهم الآية، ليكون المعنى الأقرب للفهم هو المباعدة والتجاهل، وهنا تستقيم تراتبية عقاب النشوز، ابتداء بالعظة بمعنى النصح والإرشاد، والهجر في المضاجع، أي عدم النوم معهن على سرير واحد، والضرب أي البعد عنهن وترك المنزل، وهو ما طبقه الرسول الكريم -عليه الصلاة السلام- فعليا عندما هجر نساءه شهرا، مفارقا منازلهن بعد أن ساءه تصرفهن.

حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،  وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِنَّ أَوْ رَاحَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا؟ قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا «البخاري:4926».

أحمد هاشم

أحمد بن حسين هاشم الشريف, دراسات عليا من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة , كاتب وإعلامي متمرس, مارس العمل الصحافي منذ 20 عاماً ولا يزال حيث كانت البداية في مؤسسة المدينة للصحافة والنشر , مؤسسة عكاظ واليوم للصحافة وعدد من الصحف الخليجية , عضو في الثقافة والفنون بجدة و عدد من الجمعيات العلمية كالجمعية السعودية للإدارة , الاعلام والاتصال ,الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية والجمعية العلمية للموهبة والابداع والجمعية السعودية للتنمية المهنية في التعليم والمجلس السعودي للجودة . عام 1429 هـ أسس أول جمعية خيرية في المملكة تنموية تحت اشراف وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك باسم جمعية الأيادي الحرفية الخيرية بمنطقة مكة المكرمة والتي عنيت بتدريب ذوي وذوات الدخل المحدود والمعدوم على الحرف السوقية وتوفير مشاريع خاصة لهم , وكان رئيسها الفخري صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد وزير الدفاع . شارك في تقييم الخطة الاستراتيجية العامة لمدينة جدة بتكليف من أمين أمانة محافظة جدة عام 2009 م ( مجال العمل الاجتماعي ) , وبرنامج التحول الوطني في الرياض عام 1437هـ , له تحت الاصدار كتاب مقالات سيئة السمعة.

‫2 تعليقات

  1. مقال رائع وفي ماذكرتم من تعامله صلى الله عليه وسلم مع الجميع خير دليل على عدم مشروعية الضرب

  2. ياليت بعض الدعاة يقرأون ويفهمون القرآن قبل قراءة الاحاديث الكثيرة والمختلفة في درجاتها وان يفهموا العربية وان كانوا عربا …جهد مشكور

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى