اَراء سعودية
دوّار الشمس

الطبيعة كجزء من الهوية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

«قبل أن يجعل المرء نفسه جميلا، ليس من حقه الاقتراب من الجمال» كنت أقرأ هذهِ العبارة عندما حطَّ طائرٌ على طاسة الماء قرب الباب الزجاجي أمامي، توصيني أمي دوما ألا أنسى القطط والطيور في الخارج من شربة ماء في هذا الهجير.

أشياءٌ كثيرةٌ تتحرّك في رأسي كلما تحرَّكت أغصان السعف وتموجت الظلال تحتها، أتذكر والدي -رحمه الله- حين كان يسير ويسير معه قطيع من القطط التي كان يُطعمها، بل لا ينسى حصتها من الأسماك كلما ذهب ليتبضّع لنا من سوق السمك، هو يشتري وأمي تُخصّص لطعامها زاوية من الثلاجة.

كانا يجدان نفسيهما مسؤولين عن كل ما في مُحيطهما من كائنات، إذّ الرحمة سلوك، والإنسانيةُ تربيةٌ ترسم التفاصيل.

الخبر عن طلوع نجم الثريا يعني اشتداد الحرّ، بينما أفكار «معلمي الشاي» تنبت في رأسي مع موسيقى التاو اليابانية، قرب حديقة صغيرة لا تختلف كثيرا عن أي مساحة زراعية في بيئة المنطقة الشرقية، نخلٌ وكعكٌ ونباتات أخرى أجتهد لمعرفة أسمائها بعد وفاة والدي.

يستحضرني السؤال عن علاقتنا بالمكان الذي نعيش فيه، ليس مدى تصالحنا معه فقط، بل مدى قدرتنا على رؤية جمالياته، يقول مذهب الزنّ الجمالي الياباني: إنّ الجمال موجود في كل مكان إذا ما اخترنا أن نراه.

هل فعلا نستطيع أن نرى الجمال في بيئتنا الطبيعية على قسوتها، وبالقليل من الأنواع التي تُحاول أن تُنبتها أرضنا؟ ما ينطبق على الأرض والطبيعة ينطبق على الأفكار والملامح والوجوه وألوان البشرة.

هل نحن مُتصالحون مع خصوصياتنا الجمالية؟ أم أنّ الأمر يُشبه ما أثارته إحدى الصديقات منذ أيام، عمّا كان من معاناة الفتيات من ذوات الشعر المجعّد مع المقاييس المحدّدة للجمال؟

بقليل من التأمل سنجد ما ينطبق على الطبيعة والأرض ينطبق على الإنسان، من ركوب موجة التنميط والعولمة، التي تنجح غالبا في توجيه الضوء نحو ما تتخيّر من ملامح خاصة للشعوب وثقافاتها، حتى يستيقظ عند المجتمعات الوعي بجماليات هويتها وخصوصيتها.

لنتذكر الموضة التي بدأت منذ سنوات لاستخدامات الخط العربي الفنيّة، مرورا بهوس القهوة، حتى القدور القديمة والحُصُر المعلَّقة في المقاهي والمطاعم.

ألا يعني ذلك أننا قادرون على رؤية واستنباط الجانب الجمالي لخصوصيات هويتنا في بيئتها الطبيعية، قبل أن تصبح موضة و«ترند» وتعاطفا عالميا، كما حدث مؤخرا في الحكاية المؤلمة لأنثى الفيل وجنينها؟.

رباب إسماعيل

رباب إسماعيل، ماجستير علم اجتماع المعرفة والثقافة، كاتبة وشاعرة سعودية، أكاديميّة مهتمّة بالشؤون البحثيّة والثقافيّة والتربويّة، أجرت تحقيقات صحفية متنوعة، كاتبة مقالات، نشرت في عدد من الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة، لها مشاركات ثقافية وإعلاميّة متنوعة داخل السعودية وخارجها، صدر لها ديوان رسائل دوّار الشمس عن دار الفارابي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق