برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
جلوكوز

حتى نعود بحذر

ارتبط الزي الذي ترتديه الشعوب بطبيعة المناخ والاقتصاد لكل شعب، حتى صارت الأزياء موروثا ثقافيا ينتقل عبر الأزمنة، ويختزل في طياته تاريخ الأرض والإنسان، وحصل أن أنعم الله في القرن التاسع عشر بالرخاء والاستقرار على بريطانيا وأوروبا، ولكن مرض السل عكر صفوهم، حيث لم يكن العلم آنذاك قد اكتشف الجراثيم، فاستمر المرض مدة طويلة.

اتسم مرضى السل بالنحول الشديد، وشحوب البشرة، واحمرار الوجنتين والشفتين بسبب درجة الحرارة المرتفعة للمرضى، وهو ما أبرز جمال النساء المصابات، نتيجة لذلك راجت موضة المشد النسائي والفساتين الطويلة الواسعة، واتبعت السيدات أنظمة غذائية لفقدان الوزن، ووضعت البودرة البيضاء على الوجه, والطلاء الأحمر على الشفاه، حتى يكتسبن رقة ملامح المرضى المثيرة.

اليوم تتكرر القصة بشكل مختلف، فيجتاح كورونا الأرض ويبدأ في تغيير ما نلبسه بسرعة، فالكمامة والقفاز صارا من الضروريات، والمسألة متروكة للوقت، حتى تبدأ كبرى شركات الأزياء في جعلها من ضمن القطع الأساسية في كل عرض ومعرض.

تعددت الدراسات والأقاويل حول الفايروس المستجد منها المطمئن والمرعب، ولكني أعتقد أن آثاره ستطال طريقتنا في التحية والمصافحة وستغيرها، خشية من الأمراض الموسمية وغيرها، وستنتهي المصافحات والقبلات وتصبح التحية الإيمائية والانحناءة -كما يفعل الهنود واليابانيون- هي البديل المناسب للمصافحة.

لقد دفعت الإنسانية ثمن الاستهلاك الجائر للبيئة وطرق التعامل مع الحيوانات المدجنة والبرية، من خلال الأمراض والتلوث البيئي الذي يبتلع الأرض والسماء، وإذا استمرت دول العالم في إهمال هذه المسائل الجوهرية، فلن ينقضي وقت طويل حتى نقف أمام جائحة أقوى لا تمنحنا الوقت الذي نملكه الآن.

نعود بحذر لأن الاستسلام لسرعة انتشار الفايروس على حساب مصالح البشر هو انهزام وضعف، وقد كان العزل المبكر وإيقاف الأنشطة الاجتماعية خطوة استباقية جنبتنا الكثير من فقد الأحبة والألم، ولكن هذا الوضع الطارئ يستحيل أن يستمر أطول من هذا الوقت، لذلك تزينوا بالأزياء الجديدة من الكمامات والقفازات، وتباعدوا بقدر المحبة بينكم.

هيفاء العمري

هيفاء محمد العمري، كاتبة وقاصة صدر لها «وشايات» مجموعة قصصية؛ مارست كتابة المقال لدى عدد من الصحف السعودية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق