برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قضايا معاصرة

التنمية مسؤولية مشتركة

تُعد الموارد البشرية الوطنية هي المحور المركزي الذي يعتمد عليه تحقيق كافة مقومات التنمية ومتطلباتها، وهي الأداة التي من خلالها يمكننا ترجمة تطلعاتنا الوطنية و«رؤية 2030» إلى نموذجها الوطني المستهدف، وعليه فإن جودة تأهيل تلك الموارد بالتعليم والتدريب هو التمكين الأولي والأساسي لها، فيكون التوظيف هو المحطة التي ترسو فيها تلك القوى البشرية، كمنجز وطني يستثمر المجتمع حصاده، ليضيف رصيدا لمنجزات الوطن الفعلية في بناء قاعدته البشرية والتنموية.

ولذلك فإن الاهتمام بالتعليم والإنفاق عليه بسخاء منذ عقود، إنما استهدف بناء قاعدة بشرية وطنية مؤهلة تتحمل مسؤولية تحقيق تطلعاتنا التنموية، ولأن التنمية المستدامة تمثل أحد أهم مستهدفاتنا التنموية بجميع مضمونها الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، فإنها عملية تشاركية تتقاسم مسؤوليتها جميع القطاعات بمسؤوليات مختلفة، تلتقي جميعها عند أهداف وطنية عامة، وتختلف في أهدافها الخاصة وسياساتها التابعة، لتكون منظومة متكاملة من الأداء وتبادل الأدوار في التنفيذ المعني به كل قطاع، وذلك هو مربط الفرس في جودة الإنتاج وصلاح الإنجاز ونجاحه لجميع التطلعات الوطنية، لتكون مكسبا وطنيا عاما، تحصد ثماره جميع الجهات، وبذلك تترجم الأهداف الوطنية إلى مكتسبات ملموسة تصب في الصالح الوطني.

بجودة التعليم والتدريب يمكن توفير مقومات البنية التحتية للتنمية في جميع مجالاتها، وبمشاركة جميع القطاعات يتم تمكين المواطن بالتوظيف والتدريب، وذلك يتطلب إشراكها –القطاعات- في بناء الخطط الدراسية والتدريب، في إطار من التنسيق والمتابعة مع إدارة الموارد البشرية، لتكون ضابطا للتوظيف والتمكين، بما تستند إليه من لوائح وأنظمة وتشريعات، وما تعتمده من سياسات وإجراءات، تخدم تحقيق الأهداف الوطنية العامة، في ضوء استراتيجية شاملة لرؤيتنا التنموية.

ومما لا شك فيه، أن ظهور السلبيات أو الإخفاقات والتحديات، يُعد دليلا على أن القطاعات التنموية لا تعمل بصفة تشاركية، وإنما تعمل بشكل منفصل ويعمل كل منها على أهدافه الخاصة، دون استيعاب لكيفية تحقيق أهدافنا الاستراتيجية العامة، ككل متجانس، وتبرز السلبيات بقوة عندما تتقاطع السياسات وتتعارض الإجراءات ما بين الجهات المختلفة، ما يعكس عدم استيعاب المسؤولية الوطنية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية العامة، وبما يتسبب في عرقلة مسيرة التنمية عن تحقيق أهدافها بانسيابية مطلوبة، ويؤخر من بلورتها إلى منجزات حقيقة.

ولتتضح الصورة، فإنه عندما تتضمن أهدافنا التنموية العامة، بناء موارد بشرية متمكنة، وتكوين قاعدة اقتصادية متنوعة، وتوطين الوظائف والحد من البطالة، وتوفير مزيد من فرص العمل ذات القيمة المضافة للمواطن، وتمكين للمرأة، وغير ذلك من المستهدفات، فإن ذلك يتطلب سياسات مؤسسية متوائمة ومتكاملة تخدم بعضها بعضا، لتعمل في اتجاهات متوازية نحو تحقيق تلك الأهداف بآليات تناسب مسؤولياتها.

فبناء الموارد البشرية، يعني تعليم جيد بكل متطلباته، وتكوين قاعدة اقتصادية، يعني دعم جميع التخصصات المطلوبة مهنيا في مختلف المستويات التعليمية، علاوة على تعاون جميع القطاعات المعنية بتنويع القاعدة الاقتصادية مثل، الزراعة، التقنية، الاتصالات، الصناعة، البترول والمعادن، التجارة، المالية، سياحة، ثقافة بجميع مجالاتها… إلخ، مع التعليم من جانب، ومع إدارة الموارد البشرية من جانب آخر، وبذلك سيتحقق التوطين الفعلي وستُعالج البطالة وسيتم توفير فرص عمل ذات قيمة مضافة، ويندرج ذلك ذاته على تمكين المرأة، بما يتطلبه من تحديث للتشريعات والأنظمة، لتيسير مشاركتها في القطاعات المختلفة، ولتمكينها من إدارة شؤونها الذاتية وبما تتحمله من مسؤوليات ومهام، فُتذلَّل بذلك ما تواجهه من عقبات مجتمعية أو مؤسسية.

جميع ذلك يتطلب سياسات مؤسسية متكاملة تخدم تحقيق تلك الأهداف، والتي منها الحد من الاستقدام للكفاءات المناظرة للوطنية الموجودة، وتمكين المواطن في وظائف بمستوى لائق مهنيا، وتحديد مستوى مناسب من الأجور للمواطن بما يحفظ كرامته، وفي ظل أمن وظيفي يحفظ الحقوق والواجبات، وبالطبع فإن ذلك لا يعني نبذ الاستقدام للكفاءات البشرية المتميزة، أو استبعاد الاستفادة من المشروعات الاستثمارية الأجنبية التي تتم بمشاركات وطنية، وإنما لابد أن يكون الهدف الأساسي منها هو الاستفادة من الخبرة لفترة محددة، ونقل التقنية والجودة في الأداء، وتوفير فرص عمل ذات قيمة للمواطنين، تضيف لوزن مواردنا البشرية المهنية وتُسهم في تأهيلها وصقل خبرتها.

عبلة مرشد

عبلة عبدالجليل مرشد، دكتوراه في فلسفة الجغرافيا البشرية من جامعة الملك سعود بالرياض، كاتبة رأي في عدد من الصحف السعودية. مهتمة بالقضايا الوطنية ذات الصلة بالتنمية في جميع مساراتها البشرية والاقتصادية، واهتمامًا خاصًا بسوق العمل والتوطين وتمكين المرأة وجودة التعليم ومخرجاته وتحقيق «رؤية 2030» إلى جانب الاهتمام بجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخليجية والعربية وتطلعاتها التنموية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق