اَراء سعودية
بُعد آخر

ملاحظات من داخل قاعة افتراضية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في ظني أنه لم يتبق منزلٌ لم يخض تجربة التعليم عن بعد خلال الفترة الماضية سواء للآباء أو للأبناء، ولا تزال إعلانات الدورات التدريبية واللقاءات التوعوية والمحاضرات العلمية تهطل بغزارةٍ على هواتفنا وحساباتنا الاجتماعية.

أيقظت الجائحة فينا -رغم بؤسها- روحا جديدة وحماسةً غير مسبوقة للتعلم والتأهيل والتدريب، لكننا وبعد مرور بضعة أشهر من خوض غمار التجربة، بحاجةٍ ماسة لوقفة تأمل، وقفة نقيّمُ من خلالها مدى جودة المنتج التدريبي والبرامج التعليمية المقدمة.

لقد وصلنا وبدون أدنى مبالغة إلى تخمةٍ في مستوى الكم، والسؤال الأهم ماذا عن الكيف؟ نعم تصل المنخرطين في الدورات شهادات إلكترونية ممهورة بعناوين المادة المقدمة ومُقدمها، لكن كيف يا ترى سنضمن بأن جميع ما سيضاف إلى السير الذاتية ينطوي على جودةٍ وإتقان ومخرجاتٍ ذات كفاءة؟

إن نظرة عن قرب على نماذج من واقع الدورات والبرامج المقدمة، تجعلني أخرج بثلاث ملاحظات مهمة على مقدمي تلك البرامج والدورات التدريبية، خصوصا المتزامنة منها، وأعني التي تُقدم للجمهور بشكل مباشر، أولى تلكم الملاحظات هو عدم تقنين حجم المادة المقدمة في المحاضرة أو الجلسة الواحدة.

التعليم عن بعد لا يعني أن نتناسى بأن لدى المتلقي مساحة استيعابية، إذا تجاوزناها، فإننا نُغرقه في بحر من المعلومات والمعارف التي لن تجد لها حيزا لديه للتذكر أو الفهم والاستيعاب.

لنكن منطقيين، فالتعليم عن بعد ليس فرصة للحشو، والقاعة الافتراضية لا تتيح لك عزيزي المدرب التقاط بعض إشارات التململ، كأن ينظر أحد الطلاب في ساعته أو يتثاءب مرغما، لكنه قد يفعل ذلك خلف الشاشة دون أن تراه.

ثاني تلك الملاحظات هو ما يتعلق بهامش الأسئلة وحرية النقاش في الفصل الافتراضي.

كثيرا ما يعدُ المحاضر أو المدرب متابعيه بإتاحة الفرصة للأسئلة والنقاش في نهاية المحاضرة، لكن وبسبب التطويل والانهماك في التهام وقت المحاضرة من قبل المدرب أو المحاضر، يجد المتعلمون أنفسهم في نهاية الجلسة الافتراضية أمام مساحة ضيقة لطرح سؤال أو سؤالين، هي غالبا «تطييب خاطر» لا تشبعُ نهم المتعلمين لطرح أسئلتهم واستفساراتهم التي دونوها أمامهم أثناء الجلسة.

وهو الأمر الذي يقودنا مباشرةً نحو الملاحظة الثالثة، والتي تتمثل في ضرورة أن تبقى قنوات اتصال مفتوحة بين المحاضرين وجمهورهم بعد انتهاء الجلسة الافتراضية، كالبريد الإلكتروني أو حسابات التواصل الاجتماعي أو الهاتف، وذلك لتعويض الفاقد من مساحة النقاش أثناء الجلسة، مع ضرورة أن يلتزم المحاضر أو المدرب بتقديم تغذيةٍ راجعةٍ، فبدونها لا تكتملُ رسالته وتظل مبتورةً منقوصة.

ختاما، لابد أن نعي أن الطريق لا يزال طويلا أمامنا نحو الوصول إلى نموذج أمثل للتعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني، وليس عيبا أن نخطئ ونتعثر ونتعلم من أخطائنا، هي خبرة تراكمية وتجربة تنضج يوما تلو الآخر، ومن مجموع تجاربنا وخبراتنا سنصل جميعا إلى الإتقان.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق