برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
همسة

مثناة اليهود

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لليهود مصدران في لتشريع، هما التوراة -ولها قصة طويلة في مراحل كتابتها- والتلمود.

التلمود الذي عرّفه العلماء بأنه الكتاب الذي يحوي التعاليم اليهودية الشفوية، وهو كتاب عقائدي، يفسر ويبسط كل معارف الشعب الإسرائيلي «بنو إسرائيل ومن اتبعهم من أتباع الديانة اليهودية» وتعاليمه وقوانينه الأخلاقية وآدابه، ويدعي حاخامات اليهود الربانيون «Robbis» أن موسى -عليه السلام- هو المصدر الأول لهذا الكتاب، ويفسرون هذا بقولهم إن موسى تسلم القانون المكتوب على ألواح الحجر التوراة «Torah shebikfab» فوق الجبل، كما قد تسلم أيضا من الله تفسيرات وشروحا لهذا القانون، وهو ما يسمى بالقانون الشفوي ويسمونه أيضاً «Torah Shebeal Peh» ويزعم الربانيون أن تلقين الله تعالى لموسى القانون الشفهي، قد كان السبب في قضاء موسى وقتا أطول فوق الجبل، حيث لو اقتصر اللقاء على القانون الكتابي لاستغرق ذلك يوما واحدا فقط.

نقل الحاخام ليفي بن شما عن الحاخام سيمون بن للكيش قوله مفسرا نص سفر الخروج «وقال الرب لموسى اصعد إلى الجبل وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم» 24- 12، بالتالي، إن المراد بالألواح هي الوصايا العشر، والقانون: القانون المكتوب، والوصايا: هي المشناة «كتبناها» أي: الذي كتبه الأنبياء من كتابات مقدسة يتناقلها اليهود «لتعلمها» أي: الجمارا. فهذا يعلمنا أن هذا كله أُعطي لموسى في طور سيناء.

ويمكن تقسيم التلمود إلى قسمين رئيسيين، هما: المشناة «المثناة» والجمارا، وهما يتناولان نظرة الشريعة -كما يقولون- في كل ما يختص باليهودي في حياته.

وفيما يختص بالمشناة، يقول علماء اليهود إن موسى -عليه السلام- نقل هذا القانون الشفوي إلى يوشع، وهذا نقله إلى الشيوخ السبعين، وهم بدورهم نقلوه إلى الرسل، الذين انتهوا بنقله إلى كبير اليهود، ثم تناقله خاصة الأحبار الربانيون ورؤساؤهم جيلا عن جيل، حتى جاء حين من الدهر بات من المستحيل استيعابه وحفظه شفويا، ويذكر جوزيف باركلي: أن اليهود يرون أن المشناة تناقلها عن موسى أربعون مستقبِلا جيلا عن جيل، حتى جاء الحاخام يهوذا هاناسي، الذي كتبها بصيغة أخرى، المشناة هي الوحي الثاني من الله لتفسير الوحي الأول «التوراة»

أحكام المشناة، إما مجهولة المصدر أو أقوال الحكماء والمعلمين، وهي مأخوذة بتسليم تام ودون مناقشة، وعند وجود التعارض بين المصدرين في مسألة ما، فإنه يُفضَّل الأخذ بآراء الحكماء «الحاخامات»

أما «الجمارا» فهي تمثل: الشروحات والتعليقات أو التفسير والحواشي للمشناة، والحديث في أقسام كل قسم يطول.

**

تسوق لنا كتب التاريخ آثارا تدل على معرفة العرب قديما بوجود المشناة ودورها في الديانة اليهودية، فقد ورد في كتب التاريخ الإسلامي المبكرة، أن الخليفة عمر بن الخطاب وجد جماعة من الصحابة يكتبون الأحاديث النبوية في رقاع «قطع من الجلد» فثار عليهم وصاح فيهم «أمثناةٌ كمثناة أهل الكتاب» وأمرهم بمحو ما كتبوه، وإتلاف هذه النصوص، خشيةً منه على المسلمين أن تشوِّش هذه الأحاديث الشفوية أفكارهم، وتصرفهم عن الوحي المكتوب «القرآن الكريم»

وفى قول الخليفة عمر بن الخطاب «المثناة» ترجمة عربية دقيقة للكلمة العبرية «المشناة» التي تعنى في أصلها: الكتابة الثانية «بعد التوراة» والنص الثاني.

وهنا لا يفوتني أبدا مع كثير من العجب وعلامات الاستفهام عرض الحديث التالي:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْقَوْلُ وَيُخْزَنَ الْفِعْلُ، وَمِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُرْفَعَ الْأَشْرَارُ، وَتُوضَعَ الْأَخْيَارُ، وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُقْرَأَ الْمَثْنَاةُ عَلَى رُؤوسِ الْمَلَأِ لَا يُغَيَّرُ! قِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَيْفَ بِمَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: مَا جَاءَكُمْ عَنْ مَنْ تَأْمَنُونَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ فَخُذُوا بِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ عَنْهُ تُسْأَلُونَ، وَبِهِ تُجْزَوْنَ، وَكَفَى بِهِ وَاعِظًا لِمَنْ عَقِلَ، وَقِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَمَا الْمَثْنَاةُ؟ قَالَ مَا اسْتُكْتِبَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. «ورواه الحاكم 8660 مرفوعا أيضا، وصححه مرفوعا وموقوفا، ووافقه الذهبي»

قال الشيخ الألباني عن الحديث السابق: هو من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- يرويه عنه عمرو ابن قيس الكندي، رواه عنه جمع، رفعه بعضهم وأوقفه بعضهم، وهو في حكم المرفوع، لأنه لا يقال بمجرد الرأي «انتهى من سلسلة الأحاديث الصحيحة» 6/ 774.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق