اَراء سعودية
واو الجماعة

شبهات حول «أين خُطب الرسول؟»

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل

كتب الزميل «أحمد هاشم» مقالة في عدد الجمعة قبل الماضي بعنوان «صلاة الجمعة أم صلاةٌ من يوم الجمعة؟» وطرح تساؤلات عن خطبة الجمعة، وفي هذه المقالة أحاول أن أبحث عن إجابة لما كتب «هاشم» وآخرون غيره، حول خطب الرسول –صلى الله عليه وسلم- ويهمني قوله «مع حرص الصحابة في نقلهم عن النبي، إلا أننا لا نجد ذِكرا لخطب الرسول، فأين خطب الرسول؟»

فأقول: إن هذا التساؤل  أثير قبل سنوات، إذ يقول بعضهم: لم يستطع الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن يصلي علنا في مكة صلاة الجمعة، وما صلاها علنا إلا في المدينة حين أقام بها عشر سنوات، وعدد الخطب بين 450 و 500 خطبة، ومع كل هذا لا نعرف عنها شيئا، باستثناء خطبة الوداع، ..انتهى.

والإجابة في رأيي بسيطة:

أولا: على السائل أن يستبعد –جانبا- الصورة النمطية لخطب الجمعة اليوم، أنها هي التي كانت عليها خطب الرسول –صلى الله عليه وسلم- من حيث الوقت والطريقة، فقد كانت الخطبة حديثا مختصرا.

فعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات «شرح المعبود 3 / 320» أو قراءة سورة كسورة ق.

ثانيا: من الصحابة من لا يجلس لاستماع الخطبة في بداية الأمر، لأن صلاة الجمعة، لمدة 6 سنوات تقريبا، كانت كصلاة العيدين، إذ يصلي الرسول –صلى الله عليه وسلم- الجمعة ثم يخطب، وقد خرج الصحابة من المسجد والرسول قائم يخطب -كما قال ابن كيسان- ثلاث مرات في كل يوم مرة، لعير تَقْدِمُ من الشام، وهنا نزل قوله تعالى «وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما»، «الجمعة آية 11»

ثالثا: أن خطب الرسول لو كانت مكتوبة مجموعة، لتحرّج خطباء الأمة عن الخروج عنها، ولَعدُّوها سُنّة، ولو فهم الصحابة ذلك -أنها سنة- للزم نقلها إلينا.

رابعا: أن ملكة التسجيل والحفظ للخطبة عند الصحابة تختلف بين مقل ومكثر، وهذا أمر معلوم، فلو حضر أحدنا محاضرة، ثم قلنا تحدث عما سمعتَ، فسيذكر بعضا وينسى بعضا.

كما أن الصحابة مُنعوا من كتابة الحديث.

روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»، «رواه مسلم» وخشية أن يختلط الحديث بالقرآن -والخطبة حديث- فكيف يقول السائل أين خطب الرسول؟

خامسا: أن الصحابة ذكروا لنا كيف أنَّه كان –صلى الله عليه وسلم- يَخطب قائما لا قاعدا، فعن جابر بن سمرة «أنَّ رسول الله كان يَخطب قائما، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيَخطب قائما، فمن نبَّأك أنَّه كان يَخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صلَّيتُ معه أكثر من أَلفَي صلاة»، «رواه مسلم» فمن حفظ هيئة الرسول –صلى الله عليه وسلم- وهو يخطبُ، هل سيقول إن خطبَ الرسول لم تُحفظ؟

إن الأسئلة التي تثار حول سنة الرسول –صلى الله عليه وسلم- تعد ضربا غير مباشر من الطعن في سنته، والله يقول عن إكمال الدين «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينا»، «المائدة/ 3»

وأسوأ ما قرأت حول هذه الشبهات في موقع «الألوكة» سؤال «هل تم إخفاء خطب الرسول بإجماع رواة الأحاديث! وإذا كان كذلك فهل نَثق في كلِّ ما جاءنا من هؤلاء الرواة؟»، وأجاب عن هذا السؤال ناصر عبدالغفور قائلاً: ممَّا لا أشكُّ فيه أنَّك صاحب شُبه تحاول أن تتصيَّد بها. وكيف تتهم  الصحابة بشيء سمعوه عن رسول الله؟ قلتُ: وهم الذين نقلوا لنا المنهج النبوي في التنزه من البول – مثلاً -، قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضى الله عنه لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! قال: أجل؛ لقد نهانا  رسولنا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وألا نستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم «رواه مسلم وأبو داود».

مجالس الرسول – صلى الله عليه وسلم – تعليمية تشريعية، فنُقل لنا ما دار فيها، والخطب تذكيرية وعظية مكررة، والمكرر يُتخفف في نقله، والله أعلم.

علي السرحاني

علي يحيى السرحاني، دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي في جامعة الملك سعود الصحية وعضو في عدد من الجمعيات العلمية. شارك في العديد من المؤتمرات والندوات الداخلية والدولية، يعتني بالتشارك المجتمعي والاستشارات الوطنية و يهتم بحقوق المرضى الفقراء، كتب في العديد من الصحف السعودية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق