همسات

وشهد شاهدٌ من أدبه

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

«إنني أختنق» كلمات احتضار جورج فلويد التي أضرمت الشرارة وحولت أمريكا -الدولة الديمقراطية رقم واحد في العالم- إلى مرجل ضخم يغلي، العنصرية النتنة التي طالما كانت اللبنة الأولى في تأسيس حضارة الزيف طفحت فوق السطح الآن، ملايين الأمريكيين من شتى الأعراق ينضحون بغضب القرون الأربعة المعتمة كلها، مسرح صاخب جدا بطلته الفوضى وكل العالم يتفرج.

نحن -ومن ركننا القصي في جزيرة العرب- أصبحنا نتهكم مع المتهكمين في ادعاء سافر للمثالية، نستشهد بتاريخ العبودية البشع في أمريكا وسفن القهر التي شقت عباب المحيط محملة بالأجساد السمراء، تلقي بها على منصات البيع والسلاسل الثقيلة موثقة بالمعاصم والأعناق.

الرحلة الطويلة منذ إنهاء الرق على يدي إبراهام لينكولن منتصف القرن التاسع عشر، وصولا لمسيرات الحقوق لمارتن لوثر كينج منتصف القرن العشرين وحتى اليوم، والآثار الغائرة للقيود تنخر في روح القارة الأمريكية، نكاد نعرف التفاصيل الدقيقة لملف العنصرية هناك أكثر مما نعرف عن أنفسنا، فقد نقلته لنا الفنون والآداب باختلاف أشكالها، روايات وأفلام مثل «الجذور واثنا عشر عاما من العبودية وجانغو الحر» وغيرها الكثير.

في المقابل بين أيدينا العديد من الإصدارات الخليجية التي تتحدث عن ذات المرحلة عندنا، كرواية «قلب من بنقلان» لسيف الإسلام بن سعود و«سيدات القمر» لجوخة الحارثي و«المحيط الإنجليزي» لفريد رمضان، إلا أنها ورغم جودة المنتج الأدبي لا تزال بعيدة عن اطلاع الأغلبية.

أما الفلکلور الشعبي الذي نتغنى به فيحمل بين طياته شهادات لمرحلة اجتماعية زالت وظلالها باقية، نردد كلماتها دون وعي بإسقاطاتها، فعلى سبيل المثال في أغنية «وش ذا الونين يا عبيدي فوق الغرفة» التي وإن ارتبطت بأكثر من «حزاية» وسردية مختلفة، فهي تحاكي النسق الاجتماعي المبني على الطبقية والعنصرية، فالمخاطب هو العبد العاشق الوَلِه لابنة سيده يجلس فوق سطح الغرف الخارجية المخصصة للعبيد ينادي سيدته بـ«يما» الذي يقابل «مدام» في يومنا الحالي، يشكو لها حالته الصعبة، فتجيبه «بارك الله يا ممباسي» لأنها تعلم المصير القاسي الذي سيواجهه نظير تجرؤه على العشق ثم البوح، فتختم دعاءها له بنسبه «ممباسي» أي العبد القادم من ممباسا.

لذا فلنعكس أصابعنا الممتدة لاتهام الآخر، هل نحن بعيدون عن تلك التهم؟ هل تطهرنا من ماضينا المظلم تماما؟ أم أن ممارساتنا اليوم وليدة تلك المرتكبة بالأمس؟ أليس بين ألفاظنا الدارجة أدلة إدانة صريحة؟ أليست اللغة وآدابها والأغنيات والأهازيج وتوزيع الأحياء وعقود الزواج شاهدة علينا؟.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

تعليق واحد

  1. توضيح بشأن العبودية في الجزيرة العربية كان نتاج الغزو العثماني حديثا والذي منع بأمر من الملك فيصل ولم يتبقى إلا من ارتضى البقاء وقد منحوا القاب العوائل المنتمين لهم.اما صدر الاسلام فقد كان الرقيق ياتون من بلادهم وقد بيعوا .فنهى عن الرق وأما نساء المقتولين في الحروب فيتم تزويجهم درءاً للفتنه ولعدم وجود عائل
    تحياتي

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى