برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
رجع الأفياء

قِدْرُ الجَشِع

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

الغرامةُ تأديبٌ مشروعٌ يتخذه كلُ ذي سلطةٍ، حكوماتٌ ومحاكمُ وما في مقامهما، وتكونُ عقابا على جرمٍ يحددُ وصفَه وعقوبتَه ذوو الصلاحيةِ، وتستمدُ مشروعيتَها من قداسةِ الصالحِ العامِ، والصالحُ العامُ هو العنوانُ الأبهى للحماياتِ الخمسِ: النفسِ والعقلِ والمالِ والدينِ والعرضِ.

وهي تسرّ العامةَ والخاصةَ لأنها تحميهم من عبثِ العابثين واستهتارِ المستهترين وجشعِ السادرين في خَدَرِ رأسِ المالِ، وتثلجُ صدورَ الغالبيةِ العظمى من الناسِ، فإن جاءت دونَ المؤملِ تمنّوا زيادتَها أو طالبوا بذلك سرا وجهرا.

والغراماتُ التي سنتها الأنظمةُ مؤخرا موازيةٌ لجائحةِ كورونا هي غراماتٌ صائبةٌ، تحمي الناسَ وتصونُ المجتمعَ وتحدُّ كثيرا من عدمِ مبالاةِ البعضِ أو حتى من تنمره على الصالحِ العامِ، ومن تلك الغرامات غرامةُ عدمِ ارتداءِ الكمامةِ التي تحمي الهواءَ المحيطَ بمرتديها، فلا يصلُ رذاذُه لغيره زفيرا، ولا يصلُ إليه رذاذُ غيره شهيقا، ومن لا يرتديها فهو في موضع من يستخفُ بسلامتِهِ وبسلامةِ الآخرين في آنٍ معا، لذلك جاءت تلك الغرامةُ حقا مشروعا للمجتمعِ، تكرّس لحمايته من صديقٍ جاهلٍ، انحرف به استخفافُه بنفسه وبغيره إلى مرتبةِ العدوِ العامدِ المتعمدِ.

ولكن، ومن العجيبِ حقا، أنه بعد سنِّ الغرامةِ تلك اختفت الكماماتُ من صيدلياتِ الحي الذي أسكنُ فيه، وحيُّنا يضربُ به المثلُ في كثرةِ الصيدلياتِ، وقد طُفتُ عليها جميعا بابا في إثرِ بابٍ، فلم أجدْ كمامةً واحدةً، فأوجستُ من ذلك خيفةً فاستذكرتُ هذا مع صديقٍ، فقال وليته لم يقل: الصيدلي يدرك أنك الآن مضطرٌ للشراءِ وسوف تعودُ إليه فيعدُك بالبحثِ ثم يفرض عليك سعرا لا يرضيك، قلت: هذا سوءُ ظنٍ نعوذُ بالله منه، لكن السؤالَ يبقى: لماذا اختفت الكماماتُ فجأةً؟

أعتقدُ أن غرامةَ عدمِ ارتداءِ الكمامةِ يجبُ أن يصحبها إجراءاتٌ تضمن توفيرَ الكمامات في الأسواقِ وبسعرها المعتادِ، يجب أن تفعلَ الجهاتُ المعنيةُ شيئا، وإلا فسوف تبدو الغرامةُ وكأنها يدٌ تحلبُ في قِدْرِ الفاسدِ الجَشِعِ «لا سمح الله».
يجب أن تقوم الجهات المعنية بعمل ما، وإلا فإن الكميات الهائلة التي وصلت مؤخرا ستواجه نفس الجشع، وسوف نبدو وكأننا نحلب في قدر الجشع إياه.

محمد ربيع

محمد بن ربيع ، ولد في 1954م ودرس في مدارس الباحة والطائف، ثم في مدارس دار التوحيد بالطائف، تخرج في كلية التربية بمكة عام 1396هـ. يكتب القصة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والمقالات العامة والمحاضرات التي تناولت المسرح المدرسي والموروث الشعبي والسير الشعبية نشرها في صحف ومجلات سعودية. له العديد من المؤلفات منها مفردات الموروث الشعبي، ذاكرة الفواجع المنسية (حكايات شعبية) ورجل تدركه الأبصار (قصص).

تعليق واحد

  1. سلم يراعك أستاذنا محمد ربيع، وأرجو أن تأخذ الجهات المختصة برأيك وتراقب الجشع
    وفقك الله

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق