برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
إشراقة

فاقدُ الشيء لا يعطيه

بينما كنتُ أطوفُ قنواتِ اليوتيوب جائلا في ملكوته، وقعتُ عمدا على أغنيةٍ من الزمنِ الجميلِ عندي، لعَلَمٍ من أعلامِ الطربِ السعوديِ، وأشهرِ مطربٍ خليجيٍ في التسعينيات الميلادية بجماهيريته الطاغية، التي ما زالت متجددةً مع تعاقبِ الأجيالِ.

استوقفني منها هذا البيتُ الشعريُ، فالأغنيةُ على نظمِ القصيدةِ النبطيةِ التقليديةِ «واللي فقد شيءٍ ترى كيف يعطيه … يعطي هروج ولا يتمم عملها» تأملتُ فكرةَ فاقدِ الشيء، فالفقدُ شيءٌ ملازمٌ للحياةِ البشريةِ، فكلُ الأشياءِ من حولِنا هي لنا، وليست لنا بنفسِ الوقت، فحتى وجوهنا بملامحها هي لنا وليست لنا، فهي لنا لأنها جزءٌ منا، وليست لنا لأن الآخرين يشاهدونها أكثرَ منا، فهم من يتأملها، ويلاحظ تفاصيلها، وربما تغيراتها قبلنا.

كم فقدنا من أشياءَ كثيرةٍ في حياتنا، كنا نظنها أشياءَ كبيرةً، لكننا عند فقدها اكتشفنا أنها أشياءُ لا تستحقُ، كم فقدنا من مشاعرَ، وكم فقدنا من أحلامٍ، وكم فقدنا من أشخاصٍ، وبقيت الحياةُ كما هي جملةً من الأضدادِ، تتعاركُ فيها المتناقضاتُ، لا يتفوقُ عليها سوى تعقيداتِ النفسِ البشريةِ، في منطقتي العقلِ الواعيِ واللاواعيِ، من أسوأ ما نواجهه في حياتِنا، حين نستجدي الأشياءَ من غير أهلها، فنطلبُ الكرمَ من بخيلٍ، والعطاءَ من أنانيٍ، والرأيَ من جاهلٍ، والمروءةَ من نذلٍ، والإحسانَ من عاجزٍ عنه، ففاقدُ الشيءِ لا يعطيه، ولو أراد أن يتجاسرَ على نفسه اللعينة وتعقيداتها، فإنه لن يتجاوز الوعودَ بالكلامِ.

صدقوني، فاقدُ الشيءِ لن يعطيه، مهما تألمَ لذلك، فالأمُ عديمةُ العاطفةِ، لن تمنح أبناءها شيئا من الأمومةِ، مهما تصنعت، فإنها كمن ينفخُ في رمادٍ.

بقي القولُ: إن المطربَ صاحبَ الأغنيةِ الجميلةِ الواردةِ بالمقالة هو خالد عبدالرحمن. إشراقة، الواقعُ أحيانا أجملُ من الخيالِ، لكن الخيالَ ينتصرُ عليه، لأن المشاعرَ الطائشةَ تتواطأ معه.

ناصر الخياري

ناصر الخياري ، بكالوريس لغة عربية، اعلامي ، كتب مقالات عديدة في عدد من الصحف السعودية والخليجية : صحيفة مكة الورقية ، الوطن ، الرياض الرؤية الإماراتية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق