اَراء سعودية
بدون سكر

الشعر البايخ

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

يكتسب الكلام بشتى أنواعه قيمته الحقيقية من ذلك المعنى القادر على إيصال فكرة، تمنح القارئ قيمة تضيف له شيئا في مضمار التكامل المعرفي والأخلاقي والقيمي، وهكذا يتدنى ذلك الكلام بتدني هذه القيمة.

الشعر هذا الفن العظيم يحمل -كما أظن- بُعدين أساسيين في تكوينه، الأول هو فن تصوير القيمة المعرفية، والآخر الوزن لدى من لا يرى أنَّ الشعر يمكن تعريفه بالكلام الجميل فقط، يعني ذلك أنَّ الأغراض الشعرية من غزل ووصف ومدح وفخر وغيرها تكون أكثر تحققا بالقيمة المعرفية والجمالية التي تمنحها للقارئ في قالبٍ موزون، وهكذا كلما ابتعد عن ذلك أصبح أقل قيمة في تقييمه كشعر.

الشعر البايخ هو تلك الألفاظ غير الموزونة التي يراكمها الكاتب في أسطرٍ، بحيث لا يستطيع أحد أن يتأكد أنه فهمها كما يجب، بذلك فإنَّه يمنح القارئ تأويلات تتجدد كلما أعاد قراءة النص من جديد، وهو حينما يقوم بذلك فلأن فكرةً متغلغلةً في ذهنه تقول إنَّ الشعر كلما أصبح أكثر غموضا وأقرب للأحجية واللغز منه إلى الوضوح، كان أكثر عمقا في المعنى وبقاءً في أذهان الناس، وعليه فإنَّ الجذوة التي تجذب إليها القرَّاء ستبقى دائما مشتعلة، وقودها اللغز، وحياتها تعدد التأويلات، هذا المعنى هو ما يجعل كاتبا يستطيع أن يتحف المجتمع أسبوعيا بديوان جديد، وكلما نقل له القرَّاء عدم قدرتهم على الفهم، سرَّه ذلك، وتأكد أنه يسير في الاتجاه الصحيح.

في تصوري أنَّ الشعر يعيش أزمة حقيقية في زمننا هذا، فالمتسلقون على أكتافه بدوا أكثر إصرارا على الرجوع به إلى الوراء، هكذا وبعدما يمكن سابقا أن نقرأ:

كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا ** وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا

ونقرأ:

ما قالَ (لا) قطُ إلا في تَشَّهُدهِ ** لولا التشهدُ كانت لاؤه نعمُ

أصبح يمكن أن نقرأ الآن: ورقة أقحوانية يغتالها حبر فسفوري من شركة فردريك ماو، وكلما تباهى «سقراط» بأسوار المدينة العالية، وجدت «جولين» أن ارتفاع الأسوار لم يمنعها من ذلك الفايروس الذي حط رحاله في حلقها، وأفقدها رائحة القهوة المعتقة على ضفاف تشرين الحزين.

في اعتقادي أنَّ أزمة الشعر في وقتنا الراهن ربما تعود للتأثر بمذاهب شعرية غربية وجدت أنَّ الوغول الشديد في الغموض يُكسب النص قيمةً مهمة.

شخصيا لا أسلب حق أحد في الكتابة كما يحب، ولكنني أظن أنَّ شخصا ينشر ما يكتبه للآخرين ينبغي بالحد الأدنى أن يستطيعوا فهمه، وحينما لا يستطيع أغلبهم ذلك، فما الهدف والقيمة التي يمكن أن تضيفها لهم؟ لذا فإنني شخصيا لا أملك القدرة على قبول شعر لا أفهمه، ولا أرى من الفظاظة أن أقول ذلك، وربما خالفني كثيرون في هذا المنحى ولكن وكما يقال «الاختلاف لا يفسد للود قضية».

سراج أبو السعود

سراج علي أبو السعود , حاصل على الاجازة من جامعة الملك سعود في تخصص البحوث والعمليات (الأساليب الكمية)، مارس الكتابة الصحفية على مدى 20 عاماً في عدد من الصحف السعودية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق