برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

الطبابة والحكمة.. هل انفصلا؟

لطالما ارتبطت مهنة الطب والحكمة برباط متين وطويل عبر تاريخ البشرية، فأغلب الشعوب تربط ممارسة مهنة الطب بممارسة شكل أو عدة أشكال من الحكمة، والشعوب العربية، كما بقية الشعوب ربطت ما بين الطب والحكمة بطريقة متينة، إلى درجة أن الطبيب يطلق عليه مسمى «حكيم» لدى معظم البلدان العربية وإلى وقت قريب جدا، حتى أنه لا يزال في بعض الأرياف العربية مسمى حكيم هو ما يطلق على من يمارس الطب.

والمتتبع لهذا الربط ما بين ممارسة الطبابة والحكمة يجد أنه لم يأت من فراغ، فأغلب من مارس مهنة الطبابة عبر التاريخ هم الحكماء الذين كانوا يجدون تقديرا كبيرا من قبل مجتمعاتهم المحلية، بسبب ما يقدمونه من جهود على مستوى مكافحة الأمراض، وعلى مستوى السلوكيات والأخلاقيات الجيدة التي كانوا يتعاطون بها مع مجتمعاتهم هذه.

حتى أن غالبية الأطباء المبدعين عبر التاريخ كانوا ممارسين فعليين للحكمة والفلسفة ولهم منتجات معرفية مميزة فيها أيضا.

لكن في مطلع قرننا الحالي ومع ثورة التكنولوجيا وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي، بالشكل الذي أصبح فيه التواصل ما بين مختلف البشر على تنوع طبقاتهم وبيئاتهم المعرفية والمجتمعية يسيرا وسهلا ومباشرا، يبدو أن صورة الطبيب الحكيم قد اهتزت في عيون ومخيّلة البشر إلى درجة صادمة.

فطريقة تعامل الأطباء وكيفية طرحهم لآرائهم الطبية في وسائل التواصل وحرص بعضهم الكبير على جذب الأضواء من خلالها، إضافة إلى كم الصراعات الشخصية فيما بينهم وتسويقهم لآراء ومعلومات متضاربة ومتناقضة، أفقدت بعض الناس الثقة الكبيرة بهم وأزاحت عنهم -ولو جزئيا- رداء الحكمة الذي لطالما منحه لهم الناس بسعادة وبثقة، وجائحة كورونا مثال حي وقائم على ذلك.

فهل أطباء هذا العصر لا يشبهون أسلافهم الحكماء يا ترى؟ أم أن الحكمة صناعة مختلفة لا علاقة لها بالطب منذ الأزل؟ وأن صفة الحكمة التي تم ربطها به هي مجرد وهم اخترعه البشر سابقا، ليمنحهم الثقة في معالجيهم ثم أتت وسائل التواصل وكشفت زيفه فقط؟.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق