برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
مباشر

لا يزال يحدوني حلم

في ضوء الحدث السياسي الأهم في أمريكا، الذي أشعل الشارع الأمريكي منذ نهاية الشهر الماضي إلى اليوم، انتشرت المظاهرات في أنحاء العالم مطالبة بالعدالة، وإدانة العنصرية على إثر مقتل جورج فلويد على يد الشرطي ديريك شوفين.

وفي تلك الاحتجاجات ظهرت جموع من المتظاهرين وبعض رجال الشرطة المؤيدين للتظاهر والمشاركين فيه، في وضعية ركوع على رجل واحدة، ولقد كان هذا المشهد مثيرا للانتباه والجدل والتساؤلات خلال المظاهرات المستمرة، حتى هذه اللحظة التي أسمع فيها هتافات المتظاهرين على مرمى حجر من بيتي وفي مناطق مختلفة من منهاتن بمدينة نيويورك، مثل الجادة الخامسة الشهيرة بحديقتها المركزية ومتاجرها الفخمة للماركات العالمية، وقد تحولت لساحة احتجاج عام.

في هذه المقالة سأحاول وضع هذه الوضعية مثار التساؤل في سياقها السياسي الصحيح، من مجرى الأحداث ومجرى تاريخ مقاومة العنصرية في أمريكا.

يعود سبب وضعية ركوع المتظاهرين اليوم إلى عام 2016م، عندما قام لاعب كرة القدم الأمريكية الشهير كولين كايبرنيك بالركوع على ركبته خلال أداء النشيد الوطني، بدلا من الوقوف كالمعتاد ووضع اليد على الصدر، كما جرت العادة، كان ذلك الوضع الذي اتخذه اللاعب خلال أحد أهم المباريات التي شاهدها جميع الأمريكيين اعتراضا منه على العنصرية تجاه أصحاب البشرة السوداء في المجتمع الأمريكي.

هذا الموقف أدى إلى انتقاد تصرف اللاعب كولين كايبرنيك على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حسابه في تويتر، إضافة إلى الضرر الذي تعرض له اللاعب، حيث تم إيقافه عن اللعب ضمن أي فريق وفي أي مباراة على إثر احتجاجه السلمي.

اللافت أنه بعد إيقاف اللاعب كولين كايبرنيك، سارع لاعبون آخرون إلى دعم موقف زميلهم بالركوع أثناء النشيد الوطني قبل بدء المباراة، وقد قوبلت مؤازرتهم بالرفض التام من قبل الاتحاد الوطني الأمريكي لكرة القدم NFL المسيس، وأصدر الاتحاد بيانا بأن أي لاعب لا يحترم النشيد الوطني ويجلس أو يركع أثناء أداء النشيد الوطني سيتم إيقافه عن اللعب.

ولكن القصة لم تقف هنا، فسرعان ما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي وانتشرت صورة مارتن لوثر كينج جونير -الزعيم الأمريكي من أصول أفريقية، والناشط السياسي الإنساني، أحد أهم رواد المطالبة بإنهاء التمييز العنصري ضد السّود- وهو جاثم على رجل واحدة في عام 1965م بمدينة سيلم، وقد كان ذلك جزءا من مسعاه وقتها في الاعتراض السلمي ضد العنصرية، وذلك ليتمكن الأمريكيون ذوو البشرة السوداء من التصويت في ولاية آلاباما أحد أهم ولايات الجنوب في أمريكا.

عندها كتب محللون وناشطون حقوقيون وسياسيون عن التشابه الذي تحمله الصورتان، كما كتبت ابنة مارثن لوثر كينج جونير، بيرنس كينج، تغريدتها الشهيرة «العار الحقيقي هو أنه حتى بعد عقود من الصورة الأولى، لا تزال العنصرية تقتل الناس وتفسد النظام»

بعد مرور أكثر من 55 عاما على صورة مارتن لوثر كينج جونير، يشهد التاريخ على أن المساواة والعدالة مطلب أساسي وجوهري لا يسقط بتقادم الزمان ولا بتغير المكان.

وكما خلد التاريخ اسم مارتن لوثر كينج جونير، وصورته وهو جاثم على رجل واحدة، كواحد من أشهر أعلام المطالبة بالمساواة ونبذ العنصرية، حيث يحتفل الأمريكيون كل عام بذكراه كأحد الأيام الفدرالية الرسمية، سيخلد التاريخ في يوم من الأيام هذه اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم، كانت آخر كلمات خطاب لوثر كينج «لدي حلم» قل لهم عن الحلم يا مارتن، فهل يصدع حلم لوثر كينج بالحرية من جديد.

قام اليوم الاتحاد الوطني الأمريكي لكرة القدم بإصدار بيان اعتذار على إثر الأحداث الأخيرة، حيث أوضح مفوض كرة القدم الأمريكية روجر قودوين في بيان له، أن الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية يدين العنصرية والقمع المنهجي للسود، كما نعترف بأننا كنا مخطئين لعدم الاستماع إلى لاعبي اتحاد كرة القدم الأمريكي في وقت سابق، ونشجع الجميع على التظاهر السلمي.

ليست هناك لذة في الكون تعادل تحقق الأحلام، وكما قال لوثر كينج يوما ما «الإيمان هو أن تأخذ الخطوة الأولى حتى لو لم تستطع رؤية الدرج كله»

ما أردت قوله هو أن مواقفنا ومبادئنا قد تكون العلامة الفارقة ليخلدنا التاريخ، أو لنكون سببا في إشاعة الحق في يوم من الأيام وإن بدا بعيد فهو قريب.

طفول العقبي

طالبة دكتوراه، حصلت على الماجستير من جامعة SOAS في بريطانيا، مخرجة أفلام وثائقية، عملت كمسؤولة لبرامج المرأة والشباب بالأمم المتحدة، عملت في القناة الثقافية السعودية كمقدمة ومعدة برامج، منها: صباح الثقافية، لها عدد من المشاركات الحوارية التلفزيونية والإذاعية في قضايا الشباب باللغتين العربية والإنجليزية، سبقت لها الكتابة في عدد من الصحف السعودية: مجلة اليمامة، الجزيرة، الرياض، وصحيفة الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق