برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
بين الضفتين

التنوير في المسائل الخلافية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

قصص التنوير من أكثر القصص التي تجعل المرء يعيد اكتشاف ذاته ويحررها من الأعباء الأيديولوجية البالية، حيث تحرضه على فحص الكثير من الأفكار والقناعات التي تسللت إلى عقله في خِضَم الصراعات الفكرية في مجتمعه، وتدفعه إلى مواجهة مسلمات وبديهيات لا يعرف لماذا آمن بها، وكيف أصبحت بهذه المنزلة الرفيعة من القداسة والتبجيل كي تحتل الجزء الأكبر من عقله ووجدانه،.

وحينها فقط ستبدأ رحلة مضنية لسبر أغوار الظلمة الحالكة في مجاهل العقل، الذي نشأ على التلقي دون تمحيص للمدخلات التي ستصبح فيما بعد مخزونه الثقافي، لإبداء آرائه ومواقفه تجاه مسائل دينية وصراعات فكرية ليست بالبساطة التي تصورها له قراءاته السطحية.

من فضائل عصر التنوير، أنه ما زال يلهم الأجيال بأن بوسعهم محاربة الجهل وتحرير عقولهم من سطوة الأيديولوجيا والمسلمات الرابضة في غياهب عقولهم، فالتنوير -بحسب ما يراه الفيلسوف الألماني إيمانويل- كان هو تحرر الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه، وهي توهمه بعدم قدرته على استخدام عقله لفهم المسائل والإشكالات دون توجيه من الآخر، ليس بسبب قصوره العقلي، وإنما بسبب عدم تحليه بالشجاعة والإقدام على استخدامه عقله للفهم والاستنتاج.

الكثير منا يتعامل مع المناهج الدراسية من منظور الآية الكريمة «لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ» خاصة في الآراء الشرعية والاجتهادات الفقهية المنتقاة من بين جملة آراء واجتهادات متنوعة في التراث الإسلامي، ولا نستثني من ذلك الحوادث التاريخية والأدبية، رغم أنها أقل تأثيرا في تشكيل العقل الجمعي من الاجتهادات الفقهية.

وأعتقد أن هذا سبب كافٍ يجعلنا نصاب بالتوجس من كل الآراء الأخرى التي تقع خارج إطار المناهج الدراسية، بل ونتعامل معها بكثير من الشك والريبة على اعتبار أن أصحابها يخالفون النسق الفكري لنخب السلف المنتقاة، حتى وإن مرت أسماؤهم في تلك المقررات إلا أنهم لم يحظوا بالثقة التي حظي بها فقهاء آخرون وردت اجتهاداتهم في شتى المسائل الخلافية في مناهجنا.

ولو قلت لأحدهم: إن حصر المناهج على آراء واجتهادات فقهية معينة، هو وجه من أوجه الإقصاء غير المباشر للآراء الأخرى المختلفة، التي ربما نجد فيها من وجاهة الرأي ما لا نجده في غيرها، لاتهمك مباشرةً بأنك تثير الفتن وتحاول خرق إجماع علماء الأمة على المسائل المتفق عليها مسبقا، ثم يورد لك الحجج والمبررات التي يتوارثها نجباء المقررات الدراسية دون كلالة أو ملل، ولا يهم في هذه الحالة اقتناعك من عدمه، فضلا عن وجاهة حججه ومبرراته.

حمل الناس على الأخذ بالاجتهادات وقمع الآراء بحجة عدم التخصص ليس من صالح الدين في شيء، فالآراء والاجتهادات المعتبرة ليست من الحقائق المجردة مثل المعادلات الرياضية والفيزيائية التي تخضع لقوانين ثابتة تؤدي إلى نتيجة حتمية لا يمكن تغييرها، بل هي من التراث الفقهي الخاضع لمقاييس واستنتاجات فكرية تختلف من فقيه لآخر.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق