اَراء سعودية
ناصية

الذين لا يأبهون.. كيف يعيشون؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هكذا ودون مقدمات تجد نفسك داخل المشهد، أحد عناصره -ربما المحايدة- حتى حين، تنظر والدهشة تتلبسك، والعجب يسيطر على كيانك: كيف لهؤلاء أن يفعلوا ما يفعلونه دون اكتراث، وإلى أي حدّ يمكنهم أن يتمادوا؟

ولأنهم بشر مثلنا ويجري عليهم ما يجري علينا من متغيرات وتطورات وأنظمة وروادع، إلا أنّ تلك الرغبة الجامحة في اقتراف ما لا يليق تهيمن عليهم دون أن يرفّ لهم رمش أو يحمرّ لأحدهم خدّ، انظر حولك، ها شابٌّ في أجمل هندام يعطل شارعا كاملا من أجل أن يتحدث مع زميل له، ثانٍ يتفنن في إخافة الناس بقيادته المتهورة، ثالث يسير في شبه ملابس لا يليق أن يراها ذووه في بيته، فما بالك بغيرهم؟

متنمّر يتعدّى الحدود كلَّها صراخا وإزعاجا واقتحاما لخصوصيات الناس في المرافق العامة وغيرها، ثلة يصرّون إصرارا ألا يتركوا بعدهم مكانا نظيفا دون ترك آثارهم التي تدلّ على سلوكهم وأخلاقهم.

«فتوّة» يرفض أن يقف في أي اصطفاف أو ترتيب للدور، متعالٍ يهدد حياة الآخرين بسيجارة مشتعلة في محطة وقود، موظفة تتلذذ بالحديث مع زميلتها فيما المراجع ينتظر لحظة عطف من فوهة شباكها، مسؤول يمرّ يوميا بخلل في مؤسسته ولا يحرّك ساكنا، معلم قديم لم يطور أدواته ولم يتجاوز عامه الأول في التدريس، زوجة تكفر النعمة التي تعيشها والعشير الذي يحيطها، طالب لا يهمه ما يعانيه والده من أجل أن يتعلّم ويرتقي.

كلّ هؤلاء الذين لا يأبهون، كيف ينظرون إلى الحياة؟ بل إلى وجودهم وتأثيرهم؟ ومن أين يستمدّون تلكم الثقة في المخالفة المقيتة لكل ما هو قويم وطبَعي وخلاّق؟ هذه الصور ليست مقصورة على مجتمع بعينه، فلقد رأيناها رأي العين في كل مكان، وفي شتى الأقطار والأمصار، لكن خطر السلوك غير الآبه هذا يكمن في تركه يتمادى دون كبح.

فالتجاهل هنا ليس حلا إذا ما تخطى المسلكُ الحدود، بل يصبح من اللازم وقفه ثم محاسبته، وعلى مراكز البحث العلمي في الجامعات والمؤسسات العلمية أن تولي -ما يتطور فيصبح ظاهرة- عنايتها بالدراسة والبحث ورفع التوصيات الإجرائية إلى صناع القرار ومشرعي الأنظمة، فالحياة جميلة حين تجتمع الأيدي على البناء من جهة، وترتصّ بنيانا منيعا في وجه الفظاظة والرعونة والذاتية المفرطة.

يحيى العلكمي

يحيى بن محمد العلكمي، متخصص في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، عمل رئيسًا لتحرير مجلة بيادر الصادرة عن نادي أبها الأدبي ، ورئيسًا لقسم اللغة العربية و لجنة التدريب والتطوير في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير. مدرب معتمد من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، عضو منتدى السرد بنادي أبها الأدبي. و عضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، عمل في الصحافة، وكتب المقال في عدد من وسائل الاعلام المحلية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق