اَراء سعودية
غدق

صاحب الموائد

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

يبحث عن الموائد في كل مكان وزمان، لا يهدأ له بال، لا يهنأ ولا يخجل ولا يشبع، يتساوى عنده أكل كل شيء، لا يهمه إن امتلأ كِرْشُه أو انتفخ أو استدار، صاحبنا أبو كِرْش قليل الحركة، رفيع الساقين، فضولي ويتطفل على الموائد ولا تفوته حفلة ولا مناسبة، ولا تهمه نظرات الدهشة والاستغراب، ديمومة الحياة عنده امتلاء كِرشه.

يتصف بصفتين: البخل والنهم، ولا يستطيع الانتصار على نفسه مع هاتين الصفتين، حتى قاد نفسه نحو التدحرج للسفوح، بينما كان بمقدوره الحفاظ على نفسه من هاتين الرديئتين، وفق توازن واعتدال، من السوء أن يختار الإنسان لحياته منهج التنفير على نفسه، ليدخل في خندق المنبوذين بين مجتمعه.

معظم من يتصفون بصفات البخل والنهم والجشع نراهم لا يقدمون للحياة والمجتمع أي شيء ولو كان ضئيلا، بل يفوزون بالسبق في مضامير الموائد.

كتب التراث نقلت لنا الكثير عن حالات هؤلاء، فيها الكثير من الدهشة والعبر، وكشفت لنا عن قدراتهم في اللف والدوران، وأن هناك علامات فارقة يستطيع الإنسان من خلالها أن يشخص عاهات هؤلاء الكامنة في نفوسهم، فابتساماتهم العريضة تخفي وراءها الكثير من السوء والسواد، وطرحهم التنظيري فيه الكثير من المغالطات التي لا تنم عن حقيقتهم.

عندهم سعار في الأكل والاستحواذ، وحبهم الفظيع للذات يتجاوز الحدود الطبيعية بكثير، لا يملون ولا يكلون، ولا تهمهم التخمة، وعلاقاتهم مع الناس قائمة على أساس استخدامهم لتحقيق ما يريدون ويبتغون، فهي علاقة يسودها الجشع الكبير، وحين يكون الإنسان على هذه الظاهرة بكل وضوح، فلن يحظى بحب الناس وتقديرهم واحترامهم.

لا يعترفون بهذا القول المأثور «إذا كان ما يكفيك يُغنيك فكلُّ شيءٍ يُغنيك، وإذا كان ما يكفيك لا يغنيك فكل شيء لا يعنيك»

حيث إنهم لا يعرفون سقفا للتوازن والاعتدال يقفون عنده، فإن لهم من الرغائب المحمومة، والشهوات اللاهبة ما يتناسل ويتكاثر على مدى الأيام، ثم إنّهم ولنرجسيتهم العالية يرغبون في ضمّ ما يُعجبهم، مما يملكه الآخرون، إلى ملكيتهم وكأنهم لا يُطيقون أن يروا الآخرين في هناء، وهذا من أبشع ألوان اللؤم بعينه.

إن هؤلاء هم طفيليو المجتمع الذين لا يقدمون للناس والوطن والحياة أي فائدة، بل هم مجرد عالة كبيرة على الوطن والمجتمع والحياة.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق