برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
رجع الأفياء

الرجل المريض والرجل البليد

منذ قرابة مئة وسبعين عاما، أطلق القيصر الروسي وصف الرجل المريض على الدولة العثمانية، ودعا بريطانيا لتفترس معه أملاك ذلك الرجل.

وحقا كانت الدولة العثمانية آنذاك رجلا مريضا لما اعتراها من وهن، ولما دب في أوصالها من ضعف، جاء نتيجة لغيبوبة سلاطينها واستغلال رجال الدولة لتلك الغيبوبة التي نزعوا معها للاستبداد، فشاعت الاختلاسات والرشاوى والإتاوات وشاع لشيوعها الفساد.

وبدوره نزع الجيش إلى التدخل في السياسة، فكانت النتيجة هزائم متلاحقة وغيابا مريعا عن حقائق الزمن الذي تسارع تحت أقدامها الواهنة لتغدو أنموذجا صارخا للتخلف.

مات الرجل المريض وجاءت بعده دولة علمانية تحكم شعبا صوفيا، تسعى جاهدة لكسب ودّ المنتصر الأوروبي لدرجة التحول للحرف اللاتيني بدلا من العربي الذي كانت تكتب به التركية العثمانية، وأضمرت البغضاء للعرب باعتبارهم رأس الحربة في سقوط خلافتهم، وذهبت بعيدا عن «سلطان البرين وخاقان البحرين ظل الله في الأرض» وتحولت إلى لاهث بائس وراء الناتو والأطلسي، والسوق الأوروبية التي نسيتهم فوق كراسي الاحتياط، فتحوّل الرجل المريض إلى رجل بليد بجدارة.

هذه البلادة أوحت لدوائر صهيونية بسؤال: ماذا لو ساد هذا الكيان البليد، وآلت إليه مقاليد الشرق وعادت على يديه خلافة علمانية تحكم أمة صوفية؟ ستوحد تلك الدوائر تعاملها في الشأن الفلسطيني مع دولة واحدة «دولة الخلافة» بدلا من دول كثيرة، إن رضيت دولة غضبت أخرى، وسيبدو اقتطاع جزء يسير من أرض خلافة واسعة أهون من اقتطاع دولة ضمن عقد من الدول، وسوف تتمتع إسرائيل بسلام أبدي تحميه خلافة تتحرك في راحة يد صهيونية.

في إطار تلك الفكرة جرى تلميع السيد أردوغان بعدة مسرحيات مكشوفة، وهو بدوره أقام إمبراطورية إخوانية تحت ستار الليل، وهم جميعا قاموا بتشكيل انكشارية معاصرة من القاعدة وداعش والنصرة وأخواتها، فريق منهم مهّد للربيع العربي، وفريق منهم يستعد لما بعده، غير أن الله وحده قد أبطل ذلك كله وبقي أردوغان يجمع فلول البلادة ويستجمع قواه مجددا، ولن يفلح البليد حيث أتى.

محمد ربيع

محمد بن ربيع ، ولد في 1954م ودرس في مدارس الباحة والطائف، ثم في مدارس دار التوحيد بالطائف، تخرج في كلية التربية بمكة عام 1396هـ. يكتب القصة والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والمقالات العامة والمحاضرات التي تناولت المسرح المدرسي والموروث الشعبي والسير الشعبية نشرها في صحف ومجلات سعودية. له العديد من المؤلفات منها مفردات الموروث الشعبي، ذاكرة الفواجع المنسية (حكايات شعبية) ورجل تدركه الأبصار (قصص).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق