برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

«غربان تويتر» ومزاعم الوطنية

تناولت أمس في مقالتي «غربان التواصل والخريف العربي» كيف تسلل مثيرو الفتن إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أصبحوا يبعثون برسائلهم لإثارة الفوضى، وفي هذه المقالة أحاول أن أقدم مراجعة لما قاموا به على «تويتر» وسلوكهم العام.

أولا: القيام بالبحث في حسابات المواطنين والمشاهير والشخصيات المعروفة والمرشحة لمناصب مهمة في الدولة -أحيانا المقيمون- واستخراج تغريدات غير مقبولة لهم، أو إخراجها من سياقها العام ونشرها للعلن، والمطالبة بالقبض عليهم، وذلك بزعم فضح أعداء الوطن الداخليين.

ثانيا: يقومون بتصيد الأخطاء في المجتمع وتضخيمها، أو خلقها من العدم إن لم يجدوا ما يناسبهم، بزعم أنهم يحمون المجتمع.

ثالثا: القيام بدور الرقابة على الأجهزة الحكومية، ونشر أي مخالفة، زاعمين بذلك أن نقدهم مخلص لصالح الوطن.

رابعا: محاولة حماية ما يسمونه «الهوية الحجازية» وأنها مجرد رغبة في تنقيح إرث مناطقي.

خامسا: الادعاء بشكل غير مباشر أنها حسابات تمثل الدولة، أو تمثل شخصيات نافذة فيها.

سادسا: يتميزون بالبذاءة والتطاول على الآخرين بزعم أنهم في حرب مقدسة للدفاع عن الوطن.

سابعا: إعادة تدوير تغريدات المعارضين والخونة والترويج لها، بزعم أنهم يردون عليها، وردهم هذا غالبا مما يحتسب للعدو والمعارض، حيث إنه غالبا يكون ردا يحمل البذاءة والتطاول.

**

لنحاول استكشاف الأهداف والرسائل المستبطنة في سلوكياتهم السابقة، حيث نلاحظ أنهم في الفقرة الأولي والثانية والثالثة مما سبق، يحاولون القيام بدور الدولة، وفي ذلك تشكيك وإيحاء غير مباشر أن الدولة وأجهزتها الأمنية والرقابية مقصرة أو عاجزة عن أداء دورها، وهم يساعدونها في ذلك.

وبسبب سلوكهم الفظ وتطاولهم والعنصرية التي يتميزون بها، فإن ذلك ينتج عنه أمران خطيران:

الأول: نفور المواطن من أجهزة الدولة لاعتقاده أنها تسمح لهؤلاء بهذا العبث، وكذلك تقليل ثقته بكفاءتها أو إخلاصها، مما قد يجرّئ البعض على التطاول عليها لاحقا.

الثاني: إعطاء صورة سلبية للعالم، بوجود دولة موازية تتحكم في القرار.

كما نلاحظ في مطالباتهم العلنية والهمجية بالقبض على فلان وعلان من المغردين، هم بذلك يقومون بعملية ابتزاز رخيصة تحقق لهم عدة أهداف، فيما لو استجابت الدولة، سيُظهرون للجميع أنهم كانوا جهة أكثر كفاءة من الأجهزة الأمنية في العثور على المخالفات، وهذا يعزز سيطرتهم وتواجدهم على منصة التواصل.

إضافة لما لذلك من أثر سلبي على سمعة الدولة في الخارج وإظهارها بمظهر الدولة القمعية التي تمنع حرية الرأي، وهذا ما يريده أعداؤنا.

وإن لم تستجب الدولة لهم، تباكوا وصاحوا وأظهروا الأمر وكأن هناك أيادي متلاعبة وخفية داخل الأجهزة الأمنية تمنع ملاحقة الخونة، وبهذا التشكيك هم يجرّؤون البعض منهم أو من ضعاف النفوس للتطاول بتغريدات غير مقبولة.

يلاحظ من هذا كله أن نشر البذاءة والتطاول والعنصرية، بين أوساط المغردين، هو واحد من أهداف هؤلاء الغربان، حيث إنهم بذلك يعملون على نشر مشاعر الكراهية والإحباط والنقمة، وما لتلك المشاعر من آثار سلبية، كما أن انتشار هذا الجو المشحون يعمل على تفتيت اللحمة المجتمعية وإضعاف الروح الوطنية البناءة.

ولا يفوتنا بالطبع التنويه للمظهر العام السلبي الذي سيرسخ في أذهان العالم عن المغرد السعودي والمجتمع السعودي وشيطنتهما.

وحول دفاعهم عما يسمى «هوية الحجاز» وتجاهلهم أن الجميع لا ينبغي أن يهتم سوى للهوية السعودية -مع احترامنا لكل المكونات- هو في حقيقته محاولة لتجزئة هوية الوطن، وإذكاء روح العنصرية والقبلية والمناطقية، وإثارة النعرات وإشاعة مشاعر الكراهية والنفور بين أبناء المجتمع، وكذلك محاولة إضعاف الروح الوطنية في نفوس فئات كثيرة من المواطنين، حيث إنهم يتطاولون في دفاعهم هذا على كل مكون غير قبلي ولا يحظى برضاهم، رغم أن نظام الجنسية السعودي في بنوده اعتبر كل من كان موجودا في مملكة الحجاز ونجد وتوابعها وقت التأسيس هو سعودي أصل، بغض النظر عن كونه قبليا أو غير قبلي.

**

بعد هذا كله أتساءل مع القارئ: هل تجد ما يقوم به «غربان تويتر» فعلا أمرا وطنيا، أم هو يخدم أجندة تعمل على نشر الفوضى والحفر كالجرذان لهدم أساسات المجتمع؟ ألا تجد ما سبق يتفق ورؤية «سولوبدان دجينوفيش» المذكورة أعلاه حول طرق إنجاح ثورة ما؟

في الختام أستطيع القول: إن «غربان تويتر» ليسوا مجرد مغردين غوغاء، بل هم طلائع أمر يدبر بليل، كفانا الله شرهم ورد كيدهم ومن خلفهم في نحورهم، وحفظ علينا مجتمعنا ووطننا وقادتنا.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق