اَراء سعودية
مباشر

تحدوني حرية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هل لنا أن نغمض أعيننا، ونتخيل أننا لا نملك الحق في أبسط أمور الحياة؟ فلا حق في معرفة يوم ميلادنا ولا أن نقرر أن يبقى صغارنا معنا، ولا نتقاضى أي مقابل لعمل من عرق جبيننا، ونعمل حتى تدمى أصابعنا في جمع محاصيل نموت ونحيا ولا نتذوقها، ألا تستطيع ألسنتنا أن تدندن لحنا شجيا تضيق به صدورنا؟

لحظة من هذا الخيال الجارح، التي قد تضيق بتحملها صدورنا ومخيلتنا، هي سنوات من الصبابات والعذابات التي عايشها الرق وراحت ضحيتها أرواح وتفرقت أسر، ولم تلتق قط، ربما في خيال من لم يرَ من العدل سلب إنسان آخر حياته!

يوم 19 يونيو أو «جونتينث» تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بإنهاء العبودية، فبعد أكثر من عامين من الإعلان الرئاسي لتحرير العبيد الذي أقره الرئيس لينكولن، الذي ألغى نظام العبودية في ولايات الجنوب، أشرقت شمس الحرية على الجميع.

فما القصة وراء هذا التاريخ؟

«جونتينث» أو يوم التحرير، وهو اليوم الذي أعلن فيه الجنرال جوردون جرانجر نهاية العبودية في ولاية تكساس قبل 155 عاما، التي كانت آخر ولاية يتم إبلاغها رسميا بأن الرق قد انتهى قانونيا، بعد مرور عامين على صدور القرار الفدرالي بإلغاء الرق.

وحتى بعد أن أُعلن القرار عام 1865م، فلم يغيّر مباشرة حياة الناس الذين كانوا مستعبدين في تكساس، فملاك العبيد تلكأوا قدر ما استطاعوا، في محاولة منهم للحصول على آخر مكاسب يستطيعون الحصول عليها واستغلالها.

وعندما اتخذ العبيد قرار ترك الأعمال تعرضوا لعقوبات بما فيها الاضطهاد والقتل، لأن مالكي العبيد في تكساس آنذاك لن يقبلوا بقرار تحرير السود.

وعلى الرغم من الصعوبات، فإن المحررين استطاعوا أن يحولوا 19 يونيو إلى احتفال سنوي بالانتصار على الظلم، فبدأ الاحتفال بذكرى تحرير العبيد أو «جونتينث» في العام التالي من إعلان التحرير في غالفستون / تكساس.

وككل جديد في الوجود، ففي الأعوام الأولى التي تلت التحرير كان الاحتفال بذكرى «جونتينث» أمرا صعبا، وكانت الأسر تتخوف من جمع الشمل والاحتفال بشكل علني، وعندما كان المحررون في هيوستن -إحدى مدن ولاية تكساس- يخططون للاحتفال بالذكرى الأولى لـ«جونتينث» عام 1866م مُنعوا بمقتضى قوانين الفصل العنصري من استخدام المتنزهات العامة، لكنهم في أعوام لاحقة تمكنت مجموعة منهم من شراء أرض وأطلقوا عليها متنزه التحرير للاحتفال فيها بهذا اليوم.

ومؤخرا أعلن مجلس مدينة هيوستن أن ذلك المتنزه أصبح معلما تاريخيا، وفي العام 2019، أصبح متنزه التحرير ضمن مشروع اليونسكو «طريق الرق» الذي يسلط الضوء على آثار تلك الحقبة الزمنية التي عانى منها البشر جراء ظلم العبودية.

أصبح الاحتفال بذكرى 19 يونيو مناسبة رسمية في 47 ولاية، وتتضمن الاحتفالات بالمناسبة تجمعات في الحدائق، وقراءة لإعلان تحرير العبيد، وتناول طعاما لونه أحمر، إعرابا على الانتصار على الظلم، كما أعلن عمدة مدينة نيويورك «بيل دي بلازيو» يوم أمس عن توقيع الأمر التنفيذي الذي بمقتضاه أصبح «Juneteenth» عطلة رسمية في مدينة نيويورك، حيث قال: بالاعتراف بيوم «Juneteenth» نتطلع إلى الغد مع الاعتراف بالماضي والالتزام المستمر بالمساواة العرقية.

هذه القصة شكلت لي مصدر إلهام في ظل ظروف اليوم، كما أكدت لي أهمية معرفة تفاصيل تاريخ ما نعيش زهوه اليوم، وكيف علينا أن نعلم أنفسنا أولا وأطفالنا عن نضالات صغيرة ومكلفة، لما يشكل حقا من حقوقنا اليوم، هناك من دفع حياته ثمنا حتى نستطيع أن نحيا نحن اليوم بالأسلوب الذي نحيا به حاليا.

يوم 29 يونيو «جونتينث» أتاح لي الفرصة لأستشعر الماضي وأفكر في ما الذي يجب أن يكونه المستقبل، فدائما مشوار الألف نجاح يبدأ بخطوة حتى لو لم تكن نهاية الطريق واضحة أو أكيدة.

ويبقى السؤال: هل حقا انتهت العبودية؟.

طفول العقبي

طالبة دكتوراه، حصلت على الماجستير من جامعة SOAS في بريطانيا، مخرجة أفلام وثائقية، عملت كمسؤولة لبرامج المرأة والشباب بالأمم المتحدة، عملت في القناة الثقافية السعودية كمقدمة ومعدة برامج، منها: صباح الثقافية، لها عدد من المشاركات الحوارية التلفزيونية والإذاعية في قضايا الشباب باللغتين العربية والإنجليزية، سبقت لها الكتابة في عدد من الصحف السعودية: مجلة اليمامة، الجزيرة، الرياض، وصحيفة الحياة.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق