اَراء سعودية
بين الضفتين

مثاليتي المفرطة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

أمقت المثالية والمثاليين بحسب المعنى المبتذل لدى السواد الأعظم من البشر، وأرى أنها من أكثر الأوهام التي تفسد العلاقات فيما بينهم، بل أذهب في مقتها إلى أبعد من ذلك لأصفها بأنها تنافي الفطرة السليمة لطبيعة الإنسان.

ومع كل ذلك، يتهمني بعض الأصدقاء بنزعتي المثالية وحبي للكمال في كل شيء، ولا أخفيكم سرا كم أشعر بمرارة الحزن وخيبة الأمل حينما ينتهي النقاش إلى هذه الحقيقة الصادمة التي يعتقدها هؤلاء الأصدقاء، رغم محاولاتي المتكررة بدحضها وتفنيدها بالحجج والبراهين، إلا أنني في كل مرةٍ أصل إلى نتيجة واحدة وهي الفشل الذريع.

لقد أمضيت سنوات وأنا أحاول بنية صادقة أن أقنعهم بأن التفاؤل والإيجابية، لا علاقة لهما بهذه المثالية اللعينة التي يتهمونني بها، وبأن تجاهلي لسلبيات الواقع لا يعني بأني غارق إلى أخمص قدمي في نهر المثالية الوردي! قلت لهم مرارا أن الحياة ليست كلها حروبا ودمارا وقتلا وأخبارا سيئة نصبح ونمسي عليها، بشكل روتيني إلى ما لا نهاية من المهد إلى اللحد، وبأننا نحن من نحدد وجهة بوصلة حياتنا، إما في اتجاه البحث عن التفاؤل والسعادة أو الانغماس في التشاؤم والأحزان، لكنني في كل مرة أزداد يقينا بأنه ليس بوسعي أن أحرك ساكنا من قناعاتهم المتجذرة، إلى درجة أني لم أعد أكترث لما يصفونني به على الإطلاق.

هذه الفلسفة البسيطة التي أمنت بها منذ بدء تكويني المعرفي، أنقذتني من السقوط في مجاهل الإحباط وجعلتني أكثر قدرة على استنباط الدروس والعبر من المواقف الصعبة والأزمات الطارئة، ولولاها لما تجاوزت الكم الهائل من خيبات الأمل التي مررت بها ولا قسوة الظروف التي وضعني القدر في مواجهتها رغما عني.

على أني أُقر وأعترف أن المشاعر السلبية ربما تغمر أرواحنا وأفئدتنا لبرهة من الزمن، وقد تترك ندوبا ليس بالسهل محوها من الوجدان والذاكرة على النحو المثالي الذي يصفونني به، بيد أني لا أدعي قدرتي على التخلص منها والتحكم في مشاعري كلما أردت ذلك، مثل دمية تعمل وفق نظام آلي لا تخضع لنواميس طبيعة البشر.

لهذا دائما ما كنت أجد نفسي في مفترق طرق، تحتم علي أن أختار من بينها الطريق الذي يفضي بي إلى غايتي المنشودة، ولا يحملني وزر ما يعتقده الأصدقاء من التهم التي اعتدت على سماعها في الكثير من النقاشات التي ندمت فيها على جديتي، في إيضاح الفرق بين ما يعتبرونه مثالية وما كنت أعتبره تفاؤلا وإيجابية.

ويا لتعاسة المرء حين يصبح همه الأكبر كيف يقنع المحيطين به بأن للحياة أكثر من وجه، وبأن محطاتها لا تعد ولا تحصى، وبأن الدروس والعبر هي حصيلة تجاربها المريرة والسعيدة على السواء، إلا أنه يضطر في كل مرة أن يحزم حقائبه ويسير وحيدا في طريقه، ثم يعاود الكرة إلى أن يلتقيهم مجددا بمفترق طرق أخرى، وهكذا يمارس الهرب كخيار لابد منه.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق