اَراء سعودية
في مهب الحرف

المسرح الافتراضي.. كسر القوالب والمغايرة الجمالية

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تجمُّع مسرحي افتراضي كبير شهدته الحالة الثقافية السعودية والعربية مؤخرا، كسر الطوق الذي فرضته كورونا على المسرح.

كان أبطال هذا الحراك المتقد شبابا سعوديا، يوزعون على أرجاء الوطن، لكن هذا التباعد الجغرافي لم يثنهم عن أن يعرضوا تجربتهم المسرحية الخاصة المثيرة للجدل، حيث لا أظن عملا أثار جدلا حوله كالذي أحدثته مسرحية «1441» التي قوبلت بالكثير من الردود التي كانت في غالبها لا ترى فيما قدمه أحمد يعقوب ومحمد جميل عسيري أحمد الشايب ومرتجى الحميدي، مسرحا بمعناه الحقيقي.

مختصر حكاية مسرحية «1441» أن هناك باحثا يحقن جسده بصحافي، وهذا الإيجاز يؤكد لنا أننا أمام عمل يمتح من عوالم التخييل التي تكسر القالب، وتتجاوز المنطق، وتعبث بالثابت وتغوص في أعماق النفس البشرية بحثا عن السيطرة على المشاعر.

كما أنها تجربة تأخذنا للحظة معرفية تحتفل فيها التجربة بكسر وتحطيم الصورة التي ألفناها عن المسرح كمنصة وكفضاء وكمعنى وكصورة ذهنية راسخة.

اللافت والمثير في هذه التجربة أن هذا الفريق لم ينهض بالإرث الذي يحمله ولم يحوله «تابو» يمنع فريق العمل من رحلة البحث والتنقيب والتفتيش، بل والمغامرة بحثا عن صيغ مسرحية وعن خطاب مسرحي يشبههم، بعيدا عن إملاءات الإرث المسرحي التليد الذي يقوم على خشبة وحضور وتفاعل مكاني ويقصر التجربة المسرحية في هذا الإطار.

ولأننا عشنا التجربة الافتراضية مع هذا الفريق، فإن من المفيد أن يؤمن هذا الفريق ونؤمن معه أن التجربة -أي تجربة- بمجرد خروجها للعلن لا تعود ملكا لأصحابها ولا حكرا عليهم، بل تغدو شأنا عاما يمنح كل متابع توفرت لديه المقدرة كامل الحق، في أن يقول رأيا حولها قبولا ورفضا.

وبهذا المعنى تصبح مسرحية «1441» جزءا من ذاكرة الراهن تحمل ملامح الانقلاب على ماضي التجربة المسرحية، ميممة نحو مسرح افتراضي له ملامحه التي قد لا تشبه المسرح الذي ألفناه.

هذه التجربة بعيدا عن التسمية، أرى أنها آمنت بالتجريب بل وولجت بنا نحو معنى جديد لتفاعلية المسرح، وثارت على المفهوم التقليدي للتفاعل مع العرض المسرحي الذي كان يفترض عدم وجود مسرح بعيدا عن الطقس المألوف الذي توفره الخشبة والجمهور الحاضر للعرض.

هذه التفاعلية ذهبت مع هذا العمل الجريء إلى صبغة جديدة ومغايرة تماما، حين راهنت على أن المتلقي -إضافة إلى اعتباره جزءا من الكل- فهو يتدخل ويشارك في الحدث المسرحي، حتى وهو في مكانه مخترقا الزمان والمكان عبر الشاشة.

الكثير من الوقفات التي أفرزتها التجربة إحداها أننا معها بتنا نقف على تخوم رؤية، تنحاز إلى فكرة أن المسرح من ناحية جمالية ليست ظاهرة مستقرة، بقدر ما هو معنى ثقافي مُثير للجدل والنقاش، ومن هنا يستمد المسرح عظمته.

وتظل مسرحية «1441» تجربة جريئةً ومقنعة، ووضع نواة مشروع فتي، له تفرّعاته سيكون الزمن وتراكم الخبرات مع المزيد من البحث كفيلا بترسيخه.

فيما تأتي المقولة الأبرز لهذه التجربة لتؤكد أن المسرح فن لا يمكن أن يكون محدودا وبلا مسطرة قياس تعطي النتيجة نفسها والشكل نفسه، وإلا فأنه يتحول الركود الذي يرفضه المسرح.

ناصر العُمري

ناصر بن محمد أحمد العُمري، كاتب رأي في عدد من الصحف المحلية، نائب رئيس اللجنة الإعلامية لقرية الباحة التراثية بمهرجان الجنادرية، رئيس تحرير مجلة تهامة الصادرة من الغرفة التجارية الصناعية بالمخواة، المنسق الإعلامي لبرامج أندية الحي الترفيهية التعليمية و أمين عام ملتقى المواطنة الرقمية والأمن السيبراني بمنطقة الباحة حاصل على دبلوم عالي في استخدام الدراما في التعليم من معهد نور الحسين في الأردن، رئيس اللجنة الثقافية بمحافظة المخواة وعضو لجنة المسرح بمنطقة الباحة. حصل على جائزة المركز الأول في مسابقة النص المسرحي على مستوى السعودية عن نص «كانت أيام» من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالجوف وجائزة المركز الثالث في مسابقة أحمد أبو ربعية بالمدينة المنورة عن نص «انتظار» وجائزة أمير منطقة الباحة للإبداع المسرحي عن نص «آن له أن ينصاع». كما ساهم في اخراج العديد من الأعمال المسرحية. نشر له العديد من المقالات المسرحية والقراءات في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. صدر له كتاب «ركح الفرجة» و «صراع .كوم»، وشارك في العديد من المنتديات والمؤتمرات والندوات الثقافية والمسرحية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق