برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
ناصية

التجاربُ قوةٌ مهما قَسَتْ

لا شيء يصقل حكمةَ المرء ويشدّ من أزره في مواجهة صعاب الحياة مثل التجارب الحياتية التي تعترضه أو يمرّ بها، هي المساحة المفروضة في أحايين كثيرة لأن تكون اختبارا لقدراته ومهاراته في التعامل مع الناس والمواقف ومع نفسه كذلك.

تتنوع فتختلف خططه في عبورها، تكبر حجما فيحتال للخلاص منها أو استثمارها، رجل بلا تجارب كمحارب دون سلاح، وامرأة دون تجربة هي امرأة خاوية مستكينة، شاب يخشى خوض غمار الحياة مصيره الفشل والركون إلى زوايا الكآبة والاندحار، من التجارب تنمو المدركات، وتترقى القدرات، وتكتسب المهارات، ويصبح للحياة طعمها الماتع المستحَق.

غير أن التجربة لا تكون حقيقية وذات أثر ما لم يُستفد منها، وتقرأ قراءة ناقدة نافذة من أجل الكشف عن مكنونها النافع، سواء كانت التجربة سارة أم ضارة، فالمعوّل الأخير على قدراتنا في إخضاعها إلى حيّز الحكم العقلاني وفق قانون الأسباب والنتائج، والذكيُّ الحاذقُ الفطنُ هو من يستثمر خبرة سالفة في مواجهة مشكلة حالية أو مستقبلية.

وكما قيل: الحياة تعلّمك الحبّ، والتجارب تعلمك من تحبّ، والمواقف تعلّمك من يحبّك، والحق أن المرءَ ينضج بالتجربة لا بالعمر، وها هم الناس من حولنا شيبا وشبانا ويافعين، نسمع منهم وعنهم، فذو العشرين عاما قد يفوق ذا الخمسين سدادَ رأي، وتجربةً وبُعدَ نظر، إنها مسألة معترك واستثمار، لا سنين وأعمار، ولقد وجدت في إطار عملي في التعليم نماذج من الطلاب النابهين الذين تحملوا مسؤولياتهم منذ نعومة أظفارهم، فأضحوا ممن يشار إليهم بالبنان في مدارسهم، علما وأدبا وقيادة وحسن تصرّف.

وفي هذا الإطار يمكن أن تخرج التجربة عن كونها فردية خاصة إلى مجتمعية عامة، مثلما نواجه اليوم -مجتمعات ودولا- جائحة كورونا، أو غيرها من الظروف الصحية أو الاقتصادية أو السياسية، وهنا فإنّ على العقل الجمعي أن يكرّس قدراتِه لمواجهة التجربة الجديدة بأدواته الخبيرة ذات النجاعة السابقة، وأن يعمل على أن يقترن العلم ومنهجياتُه بالخبرة والدراية، وأن ينتظم السلوك دون تجاوز أو خرق في منظومة متماسكة حتى يكون العبور الآمن المثري هو جائزة الجميع، أفرادا ومجتمعات، بل ووطن وحياة.

يحيى العلكمي

يحيى بن محمد العلكمي، متخصص في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، عمل رئيسًا لتحرير مجلة بيادر الصادرة عن نادي أبها الأدبي ، ورئيسًا لقسم اللغة العربية و لجنة التدريب والتطوير في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير. مدرب معتمد من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، عضو منتدى السرد بنادي أبها الأدبي. و عضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، عمل في الصحافة، وكتب المقال في عدد من وسائل الاعلام المحلية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق