برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
دوّار الشمس

في بيتي هندي أحمر

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

مأخوذةٌ بالأقليات وما تبقى من شعوب البدون ومنزوعي الهوية، إذ الهوية أعمق من جواز سفر، الهوية كجغرافيا وتاريخ من الحياة في تطويع تلك الجغرافيا والتصالح معها، أُجلس طفلي وأُخبِرهُ عن أن القبعة التي على رأسه هي قبعة الهنود الحمر، وأن الريش دلالة الشجاعة.

ما يُعرف بالهنود الحُمر أو سكان أمريكا الأصليين هو أول شعب تعرض لحرب بيولوجية، حسب ما يذكر التاريخ، وذلك عبر البطانيات الملوثة بالجدري التي أعطاها الإنجليز لهم، في العام 1760، خلال المفاوضات مع القبائل، وتمت إبادتهم بها آنذاك.

وفي لغة الأدب يفتتح محمود درويش خطبة «الهندي الأحمر» المُهيبة بقوله «هل قلتُ موتى؟ لا موتَ هناك، فقط تبديلُ عوالمِ» بينما في لغة الإنثروبولوجيا يقول شتراوس «بضعة آلاف من قبيلة الكواهُويلا الهندية لم يستنفدوا ما تقدمه الطبيعة من خيرات وفيرة في منطقة صحراوية في جنوب كاليفورنيا، واليوم تقطن المنطقة فقط حفنة من العوائل البيض الذين لا يكادون يحصلون على قُوْتِهم، عاش الهنود عيشةً رغدا حيث كانوا في المنطقة التي تبدو صحراء جرداء على دراية بما لا يقل عن ستين نوعا من النباتات القابلة للأكل وثمانية وعشرين من الأعشاب المخدَّرة والمنبهة والطبية… إلخ»

يسألني طفلي عمن حارب الديناصورات لتنقرض؟ حقيقة منذ مدة تنصب لي اللغة أفخاخها، لتضع قبعة الهنود الحمر أمامي، وأسئلة من نوع هل سينقرض الإنسان؟ وما هو الانقراض أصلا؟

أخبار الإصابات، وأسماء المفقودين، الهلع والتطمين، العودة بحذر، شيء يشبه البراكين تحت المحيطات.

«ظلُّ الريح» يتشظى في العالم الآخر اليوم، كارلوس زافون يموت هناك، وكيف سنكون هناك؟ يوم يفرُّ المرءُ من أخيه، الأدرينالين يرتفع كلما بدت أيديهم الصغيرة أبعد عن أيدينا حتى في العالم الآخر.

أسئلة من نوع لِمَ نحن هنا في هذهِ الحياة، وماذا لو -لا سمح الله- تشتدُّ هذه الأيام، أُجيبُ هواجسي بـ«لو أنني خُلقتُ لأنجو من الموتِ وحدهُ ما خُلقت» وأٌذكِّرُها أنني كتبتُ هذا تحت وقع موت أكثر صخبا.

هي الأمومةُ والأبوة إذًا من تضعَ أعيُننا على نهاية الدرب، من أجلِ أطفالنا، وآبائنا ومن لا حول لهم بضعفنا، نقوى ونرسمُ ابتسامةً تُضيء ذاكِرتَهم غدا، الابتسامة ذاتها من تشدُّ عزمنا، وتضع ريشةَ الشجاعةِ على رؤوسنا، الريشةُ التي لا يمكنُ لنا أن ننحني فتسقط فننقرض جميعا.

رباب إسماعيل

رباب إسماعيل، ماجستير علم اجتماع المعرفة والثقافة، كاتبة وشاعرة سعودية، أكاديميّة مهتمّة بالشؤون البحثيّة والثقافيّة والتربويّة، أجرت تحقيقات صحفية متنوعة، كاتبة مقالات، نشرت في عدد من الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة، لها مشاركات ثقافية وإعلاميّة متنوعة داخل السعودية وخارجها، صدر لها ديوان رسائل دوّار الشمس عن دار الفارابي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق