برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
همسة

لحن القول

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

ظهر في أدبيات التراث وبعض البحوث الحديثة وحتى في النقولات الشعبية، بعض الاهتمام بمقولات اللسان واللغة، وبيان تأثيراتها على الإنسان بأشكال عدة.

فمثلا نجد المقولة الشهيرة «لسانك حصانك إن صنته صانك وإن هنته هانك» فهي تثبت ما للمقولات من تأثير على الشخص من حيث ردود أفعال من يحيطون به، وهناك في المثل الشعبي يقال «عند المزح تتشافى القلوب» بمعنى أن البعض قد يستغل اللغة ويحاول الانتقاص من الآخر على شكل مزاح، فهذا المزاح أظهر خفايا قلبه تجاه الآخر، وتعبر عن ذلك أيضا مقولة «المرء مخبوء تحت طرف لسانه» فمتى تحرك هذا اللسان استبان للبيب ما يخفيه صاحبه.

بل نجد أثر اللغة مثبتا في آيات عديدة من القرآن، مثلا قوله تعالى «مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» وذكر القران التلاعب باللغة في قوله عن الذين وصفهم بمن في قلوبهم مرض «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ»

فلحن القول والتلاعب به، هو ما يستغله هؤلاء لإخفاء ما في قلوبهم، وفي الحديث الشريف «إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»

فوضح النبي ما قد يكون من «لحن القول» تبديل الحق ضلالا والضلال حقا، عن طريق التلاعب بالكلمات والحجج، وهو ما عبر عنه بقوله «ألحن بحجته»

اللسان «أو بتعبير آخر اللغة» له دور خطير، من حيث دلالة الكلمات، ودلالة ما بين سطور الكلمات، وتأثير ذلك سواء على القائل أو المستمع والقارئ.

وربما امتد أثر الكلمات إلى مجتمعات بكاملها ولعصور عديدة، مثلا تصور الأثر الكارثي لبيت الشعر:

«وَعدَت هندُ وما كادت تعد

ليت هندا أنجزتنا ما تعد

واستبدَّت مرةً واحدةً

إنما العاجز من لا يستبد»

وهو من شعر عمر بن أبي ربيعة، وربما كان أصله في الغزل، لكن اشتهر وخاصة المقطع منه «إنما العاجز من لا يستبد» في وصف الذي لا يستبد «مع ما للاستبداد من معانٍ سلبية» بالعجز.

ويقال إن أحدهم ويدعى أبا العود، استغل هذا البيت في الكيد للبرامكة عند الرشيد، وكان واحدا من أسباب نقمته عليهم ونكبتهم.

وانظر أيضا -في مثال آخر- ما لأثر هذا البيت في النظرة الجاهلية نحو المرأة، من حيث التشجيع على وأدها:

لكل أبى بنتٍ يُرَجّى بقاؤُها

ثلاثةُ أصهارٍ إذا ذُكِرَ الصهرُ

فبيتٌ يغطيها، وبعلٌ يصونها

وقبرٌ يواريها، وخيرهما القبرُ

وربما كانت هذه الأبيات هي الأب الشرعي للمقولة الشعبية «للمرأة خرجتان واحدة لبيت زوجها والثانية لقبرها»

وتأمل في الحديث الموضوع على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النساء «النساء حبائل الشيطان» تأمل الأثر الكارثي على نظرة مجتمعات كاملة نحو النساء، وبالتالي طريقة التعاطي معهن، عندما انتشر هذا القول بوصفه رأي النبي في النساء.

ومن الذين اهتموا بتأثير الكلمات على مجتمعات بأكملها في عصرنا الحديث الدكتور عبدالله الغذامي، الذي قام بتشريح كثير من نصوص التراث، وبيان تأثيرها على العقل الجمعي، وله في ذلك كتب مشهورة وأبحاث منشورة.

الكلمات وكيفية استعمالها لدلالات بعينها «قد تكون دلالات ظاهرة أو باطنة» تلعب دورا كبيرا وخطيرا في المجتمعات من حيث التحايل واختراق الأسوار النفسية للمتلقين، وتسريب قناعات معينة لهم، أو خلق ولاءات مرادة.

وخطرها يكمن في أنها تعمل على التوجيه النفسي والفكري لهم «وربما دون أن يشعروا» أو ما يقال عنه أدلجة، أو بتعبير ربما أخف وطأة وأدق وصفا «التحكم في العين التي ترى الصورة وتوجيهها نحو زاوية معينة لتصبح هي المرتكز لأفكارهم واهتمامهم»

والآن نجد تخصصا اهتم بدلالة وتأثير الكلمات في الأمور الجنائية، مثل الرائد في هذا المجال صالح العصيمي وريادته في العلم المستحدث اللسانيات الجنائية.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق