نقطة نظام

التطورات الحتمية في نظام العمل

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

«في يوم من الأيام، ستكون المكاتب شيئا من الماضي» يقول رجل الأعمال الأمريكي ريتشارد برانسون، لكن الحماسة قد لا تصل بنا إلى حد أن ننسى المكاتب، ولو على سبيل المظهر، وقد نتفق مع السيد برانسون، لكن من زاوية أخرى، فالمكاتب لم توجد في البدء إلا كمكان يشبه المخزن، جدرانه مليئة بالفتحات، لحفظ الوثائق والأوراق المطوية.

ثم أتت الرفوف بعد اختراع الطابعة وانتشار الكتب بشكلها اليوم، وكل ذلك آيل إلى زوال بعد قدوم الهاتف المحمول الذي تتسع ذاكرته ما يُعرض في المكتبة البريطانية والكونغرس وأرشيف كندا الوطني أكبر ثلاث مكتبات في العالم، ولن تعود هناك رفوف أو جدران.

ارتباط فكرة العمل بالمكتب أصبح من الماضي، مكتبك اليوم هو هاتفك، لوحك الصغير أو حاسوبك عند اللزوم، ولا حاجة لمكتب كما يبدو، إلا لغرض اللقاءات الوجاهية الضرورية، وإلا فالبريد الإلكتروني وبرامج الاتصال المرئي والمسموع أكثر موثوقية بسبب مزاياها وأدواتها التوثيقية والأرشيفية.

قد يصح لنا أن نقول: إن تشريع العمل عن بعد، وتطبيقه، حان وقته، وإن لم يكن الآن فمتى؟

ما فعله المشؤوم «كوفيد 19» من حصار وإقامة جبرية، واشتعال الشوارع الأمريكية بمناهضة فكرة الاستبعاد والحنين إلى أزمنة «الحقوق تُنتزع ولا تُعطى» ومرور قرن كامل على نظرية «ثماني ساعات عمل» يجعل من آلية العمل عن بعد، ناضجة تماما، وجاهزة للتطبيق، وها هي تبتعد عن كونها خيارا من الخيارات المتاحة والاحتياطية، وتتحوّل إلى حاجة راسخة.

كما تعيدنا إلى مراجعة تاريخ المسيرة العمالية وتدعونا إلى تصحيح مسار الحقوق، فالثماني ساعات التي يتباهى بها أنصار نظرية الدوام، لم تعد تلبّي تماما حاجات الأسواق، ذلك أن وُلدت من رحم الفكر الاشتراكي، وكان الويلزي روبرت أوين أحد مؤسسيها، وراعي نظرية الاشتراكية المثالية والحركة التعاونية، وهو من دعا إلى تقليل مدة العمل إلى 8 ساعات حين قال «يجب تقسيم اليوم إلى 8 ساعات عمل، و8 ساعات ترفيه، و8 ساعات راحة» بعد أن كان العامل يقضي أكثر من نصف ويومه في العمل.

كانت النظرية موفّقة وعادلة حينها، وساهمت في إنقاذ المنظومة العمالية برمتها من جشع أرباب العمل والقوانين التي تسايرهم، وكذلك من غضب العمال وحاجاتهم المحقّة.

وعلى رغم نبل الفكرة وصلاحيتها مقارنة بغيرها، تحولت مع الوقت إلى نظرية استبداد جديدة، فهذه النظرية كانت أساسا لعمال المصانع وإدارة خطوط الإنتاج فقط، ولكنها تفشت في الأوساط العمالية الأخرى كحل وسط.

وما أنا بصدد البحث فيه، ليس تقليل ساعات العمل أو زيادتها أو العمل من المقهى أو من غرفة النوم، إنما بذل الجهد لإعادة التفكير في أهمية قياس العمل بالساعات، ذلك أن أعمالا كثيرة بات تقييم دورة إنتاجها في حاجة إلى معطيات أخرى، وقد يؤدي اعتماد معيار الزمن وحده إلى إفساد جودتها، فلكل عمل ظروفه وأوقاته المناسبة، وعليه، قد يكون السبّاقون اليوم في تشريع أنظمة العمل عن بعد، هم الأوفر حظا في اكتساب الفرص الاقتصادية واتساع رقعة الإنتاج، بما يشكّل نقطة استقطاب للمَهَرة في كل المجالات ومن كل أصقاع الأرض.

وليس كل شيء في التطوير تُسأل عنه الحكومات، فقد يكون أصحاب الأعمال هم من يقودون مرحلة التطوير وإيجاد الحلول، ولا ننسى قصة رجل الأعمال هنري فورد حين استبق المشهد، وقرر أن يلغي يوما واحدا من جدول عمل موظفيه، وأن يعتمد نظام 8 ساعات في عام 1926، ولاحظ بعد ذلك أن عمّاله أصبحوا أكثر إنتاجية، ما أدى لاحقا إلى تغيير لوائح وقوانين شركات أخرى تشجعت على تبني هذا التوجّه، وتدريجا أصبح قانونا رسميا في البلاد، بعدما أصدر الكونغرس قرارا يحدد ساعات العمل بـ40 ساعة أسبوعيا.

آن الأوان لوزارتي الموارد البشرية والاقتصاد أن تنكبّا على صوغ تنظيم يلائم الزمن ويواكب ما تطمح إليه «الرؤية».

أحمد الفاضل

أحمد عبدالله الفاضل، بكالوريوس قانون، ماجستير الممارسة المهنية للقانون من جامعة الملك عبدالعزيز، كتب في العديد من الصحف والمواقع السعودية والعربية، محكم معتمد من هيئة المحكمين العرب، محامٍ ومستشار قانوني.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى