برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
مسامرة

قليلٌ من الضغط وكثيرٌ من السكّر

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عندما يُقلِق أمي شيءٌ في منزلها مهما كان بسيطا فإن مكالمتَها الأولى لتخبرني عنه وتطلب مني إصلاحه تضيفُ إلى مهامي مهمةً جديدة، ولكنّي لو سوَّفتُ تنفيذ هذا الطلب لسببٍ أو آخر، فإن أي مكالمة واردة أخرى من الوالدة تجعلني أتوقع بأنها متصلة لكي تسألني عن هذا الشيء وعن سبب التأخير في تنفيذه، وهذا بدوره يشعرني بالضغط الشديد، حيث أبدأ في الشعور بالذنب من جهة والشعور بوجوب عمل شيءٍ على وجه السرعة من جهةٍ أخرى.

هذا الضغط يدفعني إلى ترقية أولوية هذه المهمة ووضعها في رأس جدول أعمالي لهذا اليوم، كل هذه الأمور تحدث قبل أن أرفع السماعة لأرد على مكالمة الوالدة، التي قد تكون عن شيءٍ آخر لا علاقة له بتاتا بموضوع مكالمتها الأولى.

ومثل هذا الضغط يحدث لي أيضا من جهة زوجتي، فتكرار الطلب يُحدث ضغطا يتضاعف مستواه مع التكرار، كفيلا في النهاية بأن يؤدّي بأي ممانعةٍ أو تسويفٍ إلى الانهيار.

لقد تعلّمتُ أن أمارس هذا النوع من الضغط مع المقاولين الذين أتعاقد معهم لتنفيذ أي مشروع، أعلمُ جيدا أن مقاولي البناء وأصحاب مصانع الألمنيوم والخشب الحديد والفنيّين كالكهربائيين والسباكين وغيرهم، يتعاملون مع أكثر من زبونٍ في وقتٍ واحد ويعطون زبائنهم مواعيد كثيرا ما يفشلون في الوفاء بها، بسبب سوء الإدارة أو التخطيط، أو بسبب طمعهم وحرصهم على كسب زبائن جديدة أكثر من حرصهم على الوفاء بالتزاماتهم مع زبائنهم الحاليين، أو لأسباب أخرى خارجة عن إرادتهم.

في النهاية أعي جيدا أنهم بشرٌ غير كاملين يعتريهم القصور والتقصير، وأتفهّم لماذا يفشلون في الوفاء بمواعيدهم، وأستفيد من فهمي هذا بأني لا أسمح لإخلافهم المواعيد معي –إذا كان ضمن المعقول- بأن يُحدث عندي غضبا داخليا حقيقيا قد يرفع ضغط دمي أو يفجر شرايين دماغي، فكثيرا ما سمعت عن ضحايا فقدوا صحتهم أو حياتهم بسبب مثل هذه اللحظات الانفعالية الشديدة.

ولكني في ذات الوقت أنتفع من فهمي ووعيي بضرورة ممارسة نوعٍ من الضغط عليهم لكي تسير مصالحي، فممارستي للضغط عليهم لها تأثيرٌ سحري على مساعدتهم في التغلب على أوجه القصور والتقصير لديهم وإشعال الشعور بالذنب عندهم ورفع مستوى اهتمامهم بي.

في النهاية، هم سيهتمون أكثر بمن يضغط عليهم أكثر، لذلك أحرص على رفع السماعة والاتصال بهم وتذكيرهم بوعودهم وعهودهم، وأتصنّع في لهجتي شيئا من الغضب على تعاملهم معي لو أخلفوا تلك العهود، وأخبرهم أني أستحق منهم معاملةً أفضل من هذه ولكن بدون إهانةٍ أو تجريحٍ لهم، ولكن لو شجّ أحدُهم قلبي في ذلك الوقت لوجدني في أعماقي وفي داخلي هادئا ومطمئنا وقانعا تماما بأن هذه هي سنة الحياة يصعب فيها الكمال.

إن كثرة اتصالي بهم لمتابعة سير أعمالي لا يكلفني شيئا كثيرا ولكنّي أعلم أن له أثرا كبيرا في الضغط عليهم وتقويم أدائهم، وبهذه الطريقة من ممارسة الضغط الخارجي على شركاء الحياة استطعت أن أحقّق الكثير من الإنجازات، وأن أحافظ في ذات الوقت على وديّة الكثير من العلاقات.

الحياة عسيرةٌ كالشاي المر والذكاء العاطفي مثل السكر الذي يجعله مُستساغا لشاربيه، وجهدٌ قليلٌ نبذله في الضغط على الآخرين قد يضيف سُكّرا كثيرا إلى حياتنا.

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

‫2 تعليقات

  1. *اخالفك الرأي عزيزي ابوعلي لان المقاولين والحرفيين صار عندهم مثل التبلد من صرف المواعيد والنكوث بها وهذا التبلد صار لا يؤدي الى نتيجة مع هذه الشريحة حتى لو شقيت جيبك.

  2. شكراً لك أخي العزيز أبو جلال. قد يكون بعضهم. كذلك، ولكن المقاولون الحريصون على سمعتهم وديمومة عملهم يستجيبون للضغط… هذا طبعاً من واقع خبرتي الشخصية..

    تحياتي

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق