برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
همسة

لحن القول: عبيد الكلمات

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في أحد المواقف الطريفة التي جمعت الشاعرين الكبيرين حافظ إبراهيم وأحمد شوقي، ضمن مجلسٍ ضم نخبة من الأدباء والشعراء، أراد «حافظ» أن يتثاقل على «شوقي» ويستثير قريحته لأمر ما، فقال:

يقولون إن الشوقَ نارٌ ولوعةٌ

فما بالُ شوقي أصبحَ اليومَ باردا

فما كان من شوقي إلا أن رد عليه بقوله:

وأودعتُ إنسانا وكلباً وديعَةً

فضيّعها الإنسانُ والكلبُ حافظُ

وبعيدا عن الطرافة ضمن التلاعبات اللغوية، نذكر واحدا من أشد السجالات الفكرية التي تعرض لها أبو الطيب المتنبي، ففي واحد من أجمل أبياته في الغزل، يقول:

يَتَرَشَّفْنَ مِنْ فَمِيْ رَشَفَاتٍ

‏هُنَّ فيهِ أَحْلَى مِنَ التَّوْحيدِ

هذا البيت الذي أثار ضجة كبيرة -كما هو الحال في كثير من قصائد المتنبي- ولغطا حول المتنبي وعقيدته، فمن أعداء له فسروه بأن فيه استهانة كفرية بمقام التوحيد، ومن أنصار دافعوا عنه بقولهم إنه قصد بالتوحيد نوعا من تمر المدينة، وبعضهم فسر التوحيد بإخلاص الحب لأنثى واحدة.

هذا اللغط الذي دار حول لفظة التوحيد في بيت شعر المتنبي، نجده كذلك في وصفه بالفيلسوف، فكلا الفريقين -خصومه ومناصروه- وصفوه به.

أنصاره وصفوه بالفلسفة مدحا له وتنويها برفعة شأنه، أما خصوم المتنبي فيقولون: هو فيلسوف في مقام الذم له والغض من مكانته، لما للفلسفة من تداعيات سلبية في الذهن في تلك العصور عند عوام المسلمين.

في الحقيقة، فإن استهلالي بأبيات حافظ وشوقي والمتنبي، هو استمرار لما بدأته في مقالتي السابقة «لحن القول»

واحد من أهم أشكال لحن القول هو التورية، وتعني أن تحمل كلمة أو جملة معنيين أحدهما أقرب إلى الذهن لكنه غير مقصود، والثاني بعيد لكنه المقصود، فيأتي مثلا من يبتكر من الألفاظ تراكيب بلاغية فيمدح أنواعا من الجمال والحُسن، فيقول: المحاسن والجَمالات لا يمكن إلا أن تكون بذاتها كذلك، وقد يتنبه البعض وقد لا يتنبه إلى أن الجمالات هي جمع الجمالة، لا الجَمال.

وفي بطن الجملة، ولو لم تتجاوز حروفها المئة، امتدادات فكرية مخبوءة، ‏فتذكر -سيدي القارئ- أن تقرأ ما في التحت لتفهم ما في الفوق.

**

تشكل اللغة أساس العملية التواصلية بين البشر، وكل خطاب إنساني يحمل رسالة معينة، وهذه الرسالة تحوي مُضمرا لغويا تحمله قناة تواصلية إلى المتلقي، وقد يكون الخطاب بصورة تلقائية بهدف إيصال معنى محدد وواضح لتحقيق غاية التواصل الفعال والمنتج، أو بصورة أكثر دقة وتنظيما من خلال الخطاب الذي يصمم مسبقا بهدف التأثير والإقناع ودفع المتلقي إلى تعديل وجهة نظره، وقد يظهر هدف الخطاب أو يختفي بحسب قانونية أو أخلاقية هذا الهدف، ومدى تقبل الناس له.

ومما يؤثرَ عن كارل ماركس في المجال اللغوي، قوله «نحن عبيد الكلمات» وهو قول غاية في الحق والذكاء أيضا، إذ يمكن للكلمات وطريقة صياغتها وسياقها والتلاعب بالعلاقة بينها ومدلولاتها أن تعيد تشكيل الفكر والوعي عند المتلقي، تبعا لما يريد القائل الماهر، ولا يمكن أن يتملص من هذه العبودية إلا من حاول قراءة ما خلف الكلمات، وأدرك المدلولات بشكل جيد، وتمكن من تمحيص هذا الخطاب وتنقيته من غلالات المغالطات المنطقية المحتملة وأغلال المشاعر النفسية والخبرات السابقة المخبوءة.

**

وبما أن الحال كذلك من خطورة اللغة والتلاعب اللغوي «لحن القول» فلا غرابة أن يكون أكثر الناس شغفا وحرصا على غور وامتلاك ناصية لحن القول أو «التلاعب اللغوي» هم الجماعات الخارجة عن القانون، وبخاصة الجماعات الإرهابية المتطرفة.

وسيكون هذا محور الحديث في الجزء القادم من موضوعنا «لحن القول».

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق