حديث الأطباء

درهم مدريد خير من قنطار برشلونة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

يروى أنّ راعيا كان يرعى الغنم خارج القرية، أصابه الملل، ففكّر في تسلية، فلم يجد سوى أن ينادي أهل القرية مستغيثا بأعلى صوته: الذئب، الذئب، أغيثوني، أنجدوني، أسرع أهل القرية إلى نجدته، لكنهم لم يجدوا الذئب، فعادوا، وقد ساءهم كذب الراعي.

أعجبت الراعي اللعبة، وأصبح يعيد الكرة بين الفينة والأخرى، وفي يوم من الأيام ظهر الذئب وهاجم الراعي والغنم، فاستنجد الراعي واستغاث وزاد في الصياح، وسمعه أهل القرية، لكن أحدا منهم لم يحرّك ساكنا، فقد اعتقدوا وربما أيقنوا أنه يكذب كعادته، فافترس الذئب من غنم الراعي ما افترس، وقتل ما قتل.

ألا تذكركم هذه القصة بالمشهد الذي نعيشه مع كورونا وكثرة الصياح في وسائل التواصل الاجتماعي، تحذيرا وتخويفا وترهيبا وخلافه، لدرجة وصلت إلى أن كورونا أصبح كابوسا يؤرق مضاجعنا، وهو كذلك إن لم نلتزم بالأنظمة والقوانين ومن المصادر الرسمية الصادقة.

في أغلب أوقات الأزمة كانت وزارة الصحة المصدر الذي نستقي منه التعليمات والتوعية، إلا أنه وبقدرة قادر أصبحت «أمة محمد» كلها تنصح وتنظر وتقنن وترشد وتحذر وتخوف، وكلٌ يغني على ليلاه، والضائع في هذه المعمعة هو المواطن المسكين، الذي ربما انفجر رأسه من كثرة ما يصله من معلومات أغلبها اجتهادات شخصية.

أما ثالثة الأثافي، وأم المصائب، وبؤرة الشك، وربما قمة أسباب الضياع، فهي التصريحات اليومية التي تصدرها منظمة الصحة العالمية، التي جعلتنا في ضياع، ولا ندري متى نُصدق ومتى تَصدُق؟ ولن أتحدث عنها، فهناك من هو أكثر خبرة ودراية منى بها وبأسرارها.

أتمنى أن يصدق من يقول إن ما بعد كورونا ليس كما قبلها، خاصة في مجال التوعية والتثقيف الصحي، وأن يتم تقنين التوعية وأن تأخذ حقها بين التخصصات على كل الأصعدة، من توظيف وإدارات، وقبل هذا وبعده احترام من الجميع وتتصدر المشهد.

ما زال الحلم، وخلال جائحة كورونا وقبل القضاء عليها أو تقضي علينا، أن يتغير أسلوب التوعية والتثقيف من التخويف والترهيب والتهديد إلى أسلوب الترغيب، وذكر المحاسن قبل المساوئ، ولنتذكر جميعا «درهم مدريد خير من قنطار برشلونة».

حسن الخضيري

حسن بن محمد الخضيري, استشاري الطب التلطيفي بمركز الأورام الجامعي بجامعة الملك سعود، استشاري نساء وولادة واخصائي مختبرات. مهتم بالإعلام والتوعية الصحية، ساهم في اعداد وتقديم عدد من البرامج الصحية في القناة الثقافية وقناة العائلة . كتب في عدد من الصحف كما ساهم في تحرير العديد من المجلات الصحية ومحاضراً في عددِِ من المنابر المهتمة عن دور الاعلام في التثقيف الصحي , له اصداران خرابيش أبو الريش وبنات ساق الغراب.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى