مسامرة

الفقر الاختياري

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هل الفقرُ أمرٌ يختارُه الفقير؟ أم أن الفقرَ قدرٌ مُقدّرٌ على الفقير لا يستطيع الهروبُ منه؟

أعتقد أن الفقرَ هو خليطٌ من هذين النوعين فليسَ كل الفقر هو قدرٌ مُقدّرٌ على الفقير، بل هناك جزءٌ من الفقر يختاره الإنسان طواعيةً، الإنسان يختار الفقر في حالات كثيرة منها على سبيل المثال وليس الحصر:

• عندما يٌقصّر الإنسان في طلب الرزق بسبب الكسل أو البلادة أو عدم بذل الجهد الكافي في السعي للعمل وتطوير المهارات اللازمة لممارسته.

• عندما يحجم عن ممارسة العمل وطلب الرزق بسبب الخوف من الخسارة والفشل.

هاتان الصورتان من الفقر الاختياري واضحتان للعيان، ولكن هناك صورا من صور الفقر الاختياري أكثر خفاءً ونحتاج لإبرازها بمزيدٍ من الشرح والإيضاح.

ولنبدأ بالتأمّل في معنى الفقر وتعريفه. ممّا قيل في تعريف مفهوم الفقر بأنه يدور في اللُّغة حول الحاجة، والعوز، فالفقير هو المحتاج، والفقير: مكسور فقار الظَّهر، وهو مشتقٌّ من انفقار الظَّهر، أي انكسار فقاره، فكأنَّ الفقير مكسور الظَّهر من شدَّة حاجته، وقيل أيضا إن الفقر يعني العجز عن إشباع الحاجات الأساسيَّة أو الضَّروريَّة.

بالتأمّل في هذه التعريفات نرى ارتباطا عميقا بين الفقر وبين الحاجة، فمنشأ الفقر هو العجز عن سد الحاجة، ولو افترضنا أن هناك إنسانا لا يحتاج لأي شيء -وفرض المحال غير محال- فإنه سيكون مُحصّنا ضد الفقر ولن ينطبق عليه الفقر أبدا.

ولكن الإنسان له حاجاتٌ ضرورية ماسة ليس له اختيارٌ فيها كحاجاته للطعام والشراب والنوم وتلبية سائر حاجاته الجسدية والنفسية والاجتماعية الضرورية، وهذه أمورٌ لا يمكنه الاستغناء عنها أو عدم الشعور بالحاجة إليها.

ولكن هناك احتياجات أضافها الإنسان باختياره طواعيةً إلى تلك الحاجات الأساسيةـ فصار العجز عن سدادها فقرا اختياريا، فالحاجة إلى شرب السجائر أو الكحول مثلا، ليست من الحاجات البيولوجية القسرية التي يولد الإنسان وهو يحتاجها، ولكنّه قد يورّط نفسه بإضافتها إلى قائمة الاحتياجات، فيشعر بالفقر في حال عجزه عن سدّها.

فكلمّا ازدادت قائمة احتياجات الإنسان زاد احتمال فقره، وكلّما خفّت قائمة احتياجاته زاد احتمال غناه، وهناك الكثير من الحاجات النفسية والاجتماعية التي قد يورّط الإنسان نفسه طواعيةً بإضافتها إلى قائمة احتياجاته، ويعجز عن سدّها، فيشعر بالفقر بسببها.

وعلى سبيل المثال فقد يكون هناك إنسان مليونير مقتدر على سد كل حاجاته الجسدية والمادية، ولكنه يعاني من الشعور بالفقر والعوز إذا كان يستجدي إطراء الآخرين له أو إظهارهم لاحترامهم الزائد له، أو تقديمهم إياه على غيره من الوجهاء الأقل غنى منه في المجالس ولم يحصل على ذلك.

هناك فنٌ ينبغي علينا أن نتعلّمه، وهو فن عدم تطويل قائمة الاحتياجات بكل أنواعها الجسدية والنفسية والاجتماعية وغيرها، فكل حاجةٌ للإنسان قد تكون مصدرا لإذلاله، ولذلك فعليه ألا يساهم في تكثيرها وخاصةً إذا كان ذلك القرار بيده.

وصدق الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- حينما لخّص كل هذه المقالة الطويلة في مقولةٍ بليغةٍ قصيرة «استغنِ عمن شئتَ تكن نظيرَه، واحتج إلى من شئتَ تكن أسيرَه، وأحسن إلى من شئت تكن أميرَه».

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى