برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
أفق

استراتيجية التقنية وسلوك الأجيال

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

التقدم العلمي والتقني العصري مطلوب ومهم حتى تصبح الدولة قوية فتية لا يستطيع الأعداء النيل منها، إذ إنَّ بتقدمها العلمي سوف تصنع السلاح العصري والغذاء والدواء، وتصنع النهضة العمرانية والتحتية في المدن والأرياف، وتستغل كل ثروة في البلاد صغيرة وكبيرة وتوظف كل الثروات لصالح الإنسان وينتعش المجتمع من جميع النواحي وتزدهر البلاد بطرق فعالة وعصرية.

لا يمكن أن يحصل ذلك إلا إذا نجح التعليم ونجحت خططه ومساراته، وبتوجيه كل الخطط والموارد في المجتمع لصالح المجتمع، وذلك لا يتم إلا بتهيئة العقول والنفوس، حيث إن رأس المال البشري هو أساس كل شيء، فلن تنتج الدول إلا بعقول تعي أهمية البناء والإنتاج.

التعليم عن بعد تقنية فعالة ومجدية وتحتاجه البشرية عند الكوارث والأزمات لحمايتها والتخفيف من بعض الأعباء التي تضر بالإنسان والبيئة والاقتصاد، ولتوجيه بعض المسارات غير المجدية مثل ما حصل في أزمة «كوفيد 19» لكنه ليس البديل الدائم للحياة الواقعية الطبيعية، ويظل بديلا جزئيا مهما ونافعا في مجالات معينة مع استقرار الأوضاع البشرية.

ولا أحد ينكر مجالات التقنية وفائدتها العظيمة جدا في إنجاز كثير من الأمور وكسب كثير من المعارف والوقت، وحماية المجتمعات أمنيا ودعمها اقتصاديا واجتماعيا، لكن تظل في حدود الإنجاز والحماية والمعرفة وليس التعلم والتعليم من البداية للنشء، هناك قيم في الحياة كثيرة جدا لا يمكن الاستغناء عنها وهي صمام الأمان للمجتمعات، وهناك منهج للتربية مضاد لكثير من المشاكل والانحرافات والأخلاقيات الضارة والعقد البشرية والنزعة الفردية وتوجيه للسلوك كالانضباط والانتظام والنظام ومحاكاة وتقليد وخبرات وتجارب وكثير من السلوكيات لا بد أن يتربى عليها النشء، وأكدت عليها نظريات التعلم الاجتماعي والسلوكي.

كما أن النبوغ والحكمة والمعرفة والخبرة والمهارة تصقلها العلاقات البشرية بخيرها وشرها، ولن يحصل ذلك عن طريق الآلة إطلاقا، حيث سيعيش الإنسان مع الآلة حالة من الوحدة، ولن يتعرف على أقرانه وعلى البشر بسهولة، من خلال الآلة، ولا يمكن أن تكون صحيحة هذه الطريقة وفعالة مع الطفل في بنائه المعرفي والإدراكي والسلوكي.

أن يعيش الإنسان منذ الصغر متقوقع حول هذه الآلة أمر خطير، سيتعلم سلوكيات كثيرة تعزز فيه -على سبيل المثال لا الحصر- عدم الاكتراث بالآخرين، ولا يأبى بالتأثير الاجتماعي وستجعله يتضايق سريعا من الازدحام والصوت العالي والأنشطة والفوضى الخارجية وحرارة الجو، وضعف آلية التعامل مع سلوكيات البشر على اختلافها ومواجهتها مباشرة، لأنه اعتاد على نمط معين في الحياة في تلقي المعلومة، وغابت عنه الكثير من مفاهيم البشر وقيمها ومن ثم تحدث أمور مزعجة من بني البشر للبشر ذاتهم.

لا أفهم أنا، كيف يمكن أن يتعلم الإنسان ذاتيا من صغره؟ وماذا سيتعلم وكيف سيتعلم إن لم يقابل المعلم والأقران والبشر والشارع بمعدل 4 أيام على الأقل في الأسبوع؟ ويصبح لديه سلوك إيجابي مستحسن وسلوك مستهجن، ولا أعتقد أن يكون هناك تقدم علمي بدون اكتساب مهارات ومعارف معينة وتوجيه للسلوك وتفاعل بشري حقيقي منذ الصغر.

ومن هنا التقنية نافعة وفي نفس الوقت هي ضارة، فمثلا رأينا كيف يتراشق بعض البشر عن طريق وسائل التواصل والتقنية ويتعدون على أنفسهم وعلى البشر وعلى الحكومات بطريقة مقززة وبدون حجة، لكن هل رأينا هذا التراشق وهذه الفوضى في ممرات المدارس والجامعات والفصول الدراسية والمؤسسات الرسمية.

المعلومة ممكن أن نحصل عليها في ثوانٍ من خلال التقنية، لكن ليست هناك تقنية في الدنيا توجه النفس البشرية وتضبط السلوك وتعزز المهارات والنظام وتكسب البشر خبرات ومعارف مهمة للحياة وتردع الضار منها، مثل الوجود البشري الواقعي والاحتكاك بالبشر والتفاعل المنظم المباشر بينهم.

سيتمرد الإنسان على الواقع بكل ما فيه ويعيش بعضهم نوعا من الوحشية والوحدة والمادية البحتة مع الحياة وسينفد صبره، ومع الوقت لن ينجز المطلوب إن جعلناه فقط يعيش مع الآلة، فأولا وأخيرا التقنية آلة.

تستطيع أن تفعِّل «التعليم عن بعد» كليا في مجالات وظروف معينة ولمستوى عمري معين، لكن لن يكون فعالا إذا فعلته مع الطفل والمراهق كليا، وإطلاقا، ومع مرور الزمن قد تكون الآثار عكسية للمجتمع.

ومن الممكن أن نفعل التعليم عن بعد كتجربة جزئية ولمواد معينة فقط لسنوات وسنوات، حتى يستطيع الإنسان أن يتعرف على النتيجة بدون خسائر باهظة، لكن التواصل الواقعي أساس الحياة الحقيقية التي تصون البشرية في جميع حالاتها.

قد يكون من صالحي ألا أذهب كل يوم للعمل الرسمي، لكن ليس من مصلحة مجتمعي ألا أحمل همه وأفكر من أجل مستقبله البعيد، ما دام تخصصي يعنى بذلك وما دمت واثقة من حقيقة ما أكتب، ولغيري كثير من الآراء المخالفة وقد تكون مجدية.

وداد آل جروان

وداد بنت عبدالرحمن بن علي آل جروان القرني، دكتوراه في علم الاجتماع السياسي، استاذة مساعدة بجامعة الملك سعود في الرياض. كلفت بالعمل الدبلوماسي في الملحقية الثقافية السعودية في بريطانيا، عضو سابق في لجنة الشؤون الطلابية بالسفارة السعودية في لندن ونائب رئيس قسم قبول اللغة. شاركت وترأست العديد من المؤتمرات والدورات التدريبية واللجان، كما شاركت في العديد من الزيارات التي تقوم بها اللجان المكلفة بالملحقية الثقافية في كل المدن البريطانية لغرض توعية الطلاب السعوديين بنوعية المشاكل القانونية والاجتماعية التي قد تواجههم أثناء تواجدهم في مقر البعثة. عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للعلوم السياسية، لها العديد من كتابات الرأي في الشأن المحلي والسياسي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق