برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
داخل التغطية

رؤية عن الشعر

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل

الشعر ديوان العرب، حفظ تاريخهم وأخبارهم ومعارفهم، وكان الاحتفاء بالشعر والشاعر كبيرا، حيث تقام الحفلات والأفراح حين يولد شاعر في القبيلة، ذلك أن الشعر حينها كان «وزارة إعلام» يبرز الشاعر محاسن قومه وأمجادهم وبطولاتهم ويدافع عنهم.

ظهر هذا الأمر في الجاهلية، وبعد الإسلام كان الشعراء إلى جانب الخلفاء والولاة، وكان الشعر كله فصيحا من الجاهلية مرورا بالبعثة والخلفاء الراشدين ثم العصرين الأموي والعباسي، وفي الأندلس محاكيا الشعر في المشرق، ورَقَّ في الأندلس وكثرت المحسنات البديعية فيه تأثرا بطبيعة الأندلس.

وفي القرون الأخيرة ظهر الشعر النبطي أو العامي وسار على نهج الشعر الفصيح، من حيث الوزن والقافية، إلا أن حروف الروي، في النبطي على ثلاثة أحرف، وفي الفصيح على حرفين، ومفرداته فصيحة، الاختلاف بينه وبين الفصيح في بعده عن قواعد اللغة، لكن الأغراض الشعرية هي ذاتها في الشعرين «الفخر والمدح والهجاء والرثاء» وانطوت هذه الأغراض على كثير من الحكمة، أفرزتها تجارب الحياة وفاضت أكثر القصائد بفيض من الحكم التي جرت مجرى الأمثال.

وفي أواسط القرن الماضي ظهر الشعر الحر على يد نازك الملائكة والسياب وآخرين، والشعر الحر على نوعين: شعر التفعيلة والشعر المنثور.

كاتب هذه السطور، وفي حدود معرفته بالشعر، له رأيه الخاص، رأي انطباعي وليس بحثا أو دراسة نقدية، وإن كان يرى أن الانطباع في الشعر وما يشابهه من الفنون قد يُؤَسَّسُ عليه متى ما كان صاحب هذا الرأي يملك الذائقة والمعرفة والدراية بالشعر، ويوجز رأيه -الانطباعي- على هذا النحو:

1  – في العصور الحديثة ومع ظهور الإعلام بمختلف وسائله، فقد الشعر وظيفته الإعلامية، كان الشاعر قبل الإعلام يتجه بشعره للخارج، يتساوى في ذلك الشعر الفصيح والنبطي، إلا من حالات قليلة.

وفي العصر الحديث برز شعراء اتجهوا بشعرهم لعوالمهم الداخلية، التي شكلها محيطهم الذي يعيشون فيه «سيد البيد» مثال على ذلك.

2  – كثر الجدال حول ثنائية الفصيح والنبطي والعمودي والحر، والكاتب هنا تتجه بوصلة ذائقته نحو الشعر فقط، حيث يوجد هو معه سواء كان فصيحا أو نبطيا، عموديا أو حرا، وإن انحاز بقدر للفصيح والعمودي وشعر التفعيلة الذي يراه البحر السابع عشر.

3  – الغموض رَوّجَ له بعض النقاد وكتبه بعض الشعراء وظهر في شعر النثر ظهورا ضبابيا وملتبسا، والأدب بكل أجناسه وظيفته: توضيح الغامض وليس تغميض الواضح، لكن الشاعر قد يلجأ للرمزية فيما يكتب لظروف خاصة وعامة أحيانا، ويضع مفاتيح فهم النص في داخله، والرمزية قد تكون مخففة باستخدام -المجاز- كقول المتنبي وهو الذي لا يَقْنَعْ بما دون النجوم، مادحا كافور:

أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ ** فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وقد تكون الرمزية عالية التركيز، وتمتص الرحيق من الحريق، كما في هذا المقطع لسيد البيد:

يا أيها النخل

يغتابك الشجر الهزيلْ

ويذمك الوتد الذليلْ

وتظل تسمو في فضاء الله

ذَا طلعٍ خرافيٍّ

وذا صبرَ جميلْ..

النخل رمزاً للرفعة والشموخ، والشجر الهزيل

والوتد الذليل رمزاً للذل والمسكنة.

4  – في الوقت الراهن لدينا في السعودية حركة شعرية لافتة، في الفصيح أو في النبطي، وتجارب تنتمي لعصرها، والشاعر الحقيقي ابن بيئته زمانا ومكانا، مثل هذه التجارب لها فرادتها ويُعول عليها.

وهناك تجارب شعرية تعيد التدوير وتدور في فلك وقوالب لا تنتمي لعصرها، وكَثِيرُهُ نظم له شكل الشعر فيما هو منزوع الدسم والمذاق، وتعريف الشعر على أنه الكلام الموزون المقفى أراه قاصرا عن تعريف ماهية الشعر الحقيقي، هذا تعريف للشكل، وما قاله الشاعر العراقي، جميل صدقي الزهاوي:

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه

فليس خليقا أن يقال له … شعرُ

لامس ماهية الشعر من حيث المضمون..

وسيد البيد له عبارة تقترب من تعريف الشعر حين وصفه بأنه «حالة تفرض نفسها على الشاعر، وإن هو فرض نفسه عليها فسدت»

واقترب أكثر حين قال:

القصيدةُ إما قبضت على جمرها

وأذبت الجوارح في خمرها..

هي شهدٌ على حد موس.

مساعد العتيبي

مساعد بن محمد العتيبي، حاصل على درجة الماجستير في مكافحة الجريمة من جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية. تدرج في الوظائف الأمنية حتى صدر قرار بتعيينه مديرًا لشرطة محافظة الطائف. مثَّل بلاده في العديد من المؤتمرات على مستوى مجلس التعاون وعلى المستوى العربي، كما رأس وفد السعودية في الإنتربول بمدينة ليون بفرنسا. له العديد من المنشورات الصحفية وكتابات الرأي في عدد من الصحف.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق