برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

لحن القول والإرهاب

كيف يمكن أن تكون اللغة هي سلاح خطير للإرهابي، وأيضا في نفس الوقت هي أداة لكشفه؟

في ظل تزايد استعمال الشبكة العنكبوتية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت المنظمات المتطرفة والإرهابية ذلك ميدانا خصبا لنشر أيديولوجيتها وتحقيق أهدافها.

فهذه المنظمات لا يمكنها العمل في النور وفي الواقع الحقيقي دون الخوف من العثور عليها وإدانتها، بينما يمكنها العمل بكل أريحية والدخول لكل منزل بأقل التكاليف والتهديدات الممكنة، وذلك عن طريق الشبكة العنكبوتية وخاصة وسائل التواصل الحديثة.

لا يلزمها لذلك إلا خبراء قادرون على التحايل والوصول لعقول وعواطف الناس، باستخدام اللغة المكتوبة أو المنطوقة أو المصورة، فهي قد تستخدم التحايل اللغوي لتبرير عملياتها التي تسميها «استشهادية» وجعلها مقبولة بين الناس، إذا كانت كما تصفها «في سبيل نصرة الحق والعدالة» ومن قبيل «تغيير المنكر» الذي لا يرضي الله، إذ لا يوجد إنسان سوي الفطرة يقبل بقتل الأبرياء، إلا إذا صور له أنه في معركة مقدسة.

يستخدم الإرهابي اللغة لإزالة العوائق النفسية والأخلاقية التي يمكن أن تنشأ من التساؤل الفطري لأي إنسان سوي الحس والفطرة عن إبادة المدنيين والأبرياء، مثلا، ديمومة السب للمخالف ووصمه بأشنع الصفات ونزع أي فضيلة أخلاقية عنه، مما يبرر لدى البعض القيام بتصفيته نفسيا أو ماديا.

كما تستعمل هذا التحايل اللغوي في سبيل الوصول للمعتلين نفسيا، أو الذي يعانون بسبب النشأة أو التعامل غير السوي، لتجنيدهم وإشعارهم أنهم أشخاص مهمون قادرون على فرض رؤيتهم وإثبات وجودهم وقيمتهم، حتى لو كان عن طريق أمور غير قانونية أو غير أخلاقية.

يقول صالح العصيمي الخبير في اللسانيات الجنائية: الإرهابيون يعمدون في طروحاتهم -إضافة إلى الأمور الاجتماعية والدينية التي يطرحونها مكبلة بالمغالطات المنطقية والتدليس- لخلق حقيقة اجتماعية، ويحاولون فرضها كصورة نمطية عن الواقع، إما لتبرير جرائمهم، أو للتحريض عليها والتجنيد لها.

كما لا يمكن إغفال دور التحايل اللغوي الذي تقوم به هذه المنظمات لتمرير رسائلها وتوجيهاتها، سواء بين أفرادها أو من قياداتها إلى خلاياها المنتشرة، دون أن ينتبه إليها الجهات الأمنية والرقابية.

**

ومما هو ملاحظ في أسلوب خطاب هذه الجماعات الإرهابية الموجه للناس -حسب العصيمي– أنهم يستعملون أسلوب القطعية والتقرير والجزم والأوامر والتصنيف دون الحجج الإقناعية، ويستشهدون بالآيات القرآنية وفق مرادهم، لعلمهم أن المسلم يتلقى كلمات الله بالإذعان، مثل ترديدهم دوما «من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» دون أي اعتبار لسياقات الآيات أو مرادها الحقيقي وأسباب نزولها، هم يقلدون بذلك الخوارج.

ويرى العصيمي أيضا، أنهم يستعملون أسلوب قلب المفاهيم، مثلا «التفجير الإرهابي، عملية استشهادية، الحرب على الإرهاب، قمع، تقييد حريات، كيل بمكيالين، وطني، مطبل، منبطح، لاعق جوخ، زنديق، مرتد» ما يجعل الربط يتسرب للعقل اللاواعي عند المتلقي لاإراديا.

**

من التحايل اللغوي ما يجعل الإرهاب ممدوحا بصورة مليئة بكل جمال، ليكون السياقُ ساترا نزعة الانتماء، وعقل القارئ مسلوبا بحبكة السياق، وكما ذكرت في المقالة السابقة «إذا فهمت التحت فهمتَ الفوق»

عبارتان أوردهما كأمثلة للتحايل اللغوي الخطير الذي تقوم به هذه الجماعات: في الفكر السلفي وعندما يكون الكلام في سياق سياسي، فهناك اختلاف كبير ينشأ في ذهن المتلقي -خاصة ذا الخلفية الدينية- في وصف حاكم الدولة بين الحاكم وولي أمر المسلمين.

فوصف الحاكم بهذا الوصف يخرجه من كونه «ولي أمر شرعي له بيعة وتجب طاعته من ناحية شرعية قبل وطنية وسياسية» إلى «مجرد فرد له سلطة سياسية ولا حرج من مخالفته والخروج عليه»

أما العبارة الثانية التي يديم المتطرفون وأعداء الوطن استعمالها وتفضح توجههم، فهي في استبدالهم اسم السعودية الرسمي والمعروف «المملكة العربية السعودية» بوصف «بلاد الحرمين» ولا جدال طبعا أن هذا الوطن يفتخر بهذه الصفة «بلاد الحرمين» لكن استعمالها في سياقات النقد والذم أو اللمز وفي السياقات السياسية، له أبعاد أكثر خطورة، لعل من أهمها التغافل عن الدور العظيم للمؤسس في توحيد هذه البلاد التي تضم بالإضافة للحرمين مناطق أكثر، وبالتالي التغافل عن النظر لها ككيان سياسي مستقل، بل مجرد تجمع مشاع لدول وشعوب العالم الإسلامي.

وتأمل عبارة مثل «إقامة حفل فني في بلاد الحرمين» وتذكر كل التداعيات السلبية التي خلقها المتطرفون للفن في أذهان المتلقين، واربط ذلك بالصورة التي تصل للمتلقي وأن هناك أمرا محرما يقام في ساحة الحرمين.

**

خاتمة:

في المقالة السابقة ذكرت الكلام عن مقصد المتنبي بكلمة التوحيد، وهناك معنى ثالث، وهو بعيد، ولكن ذكره هنا لعلاقته بالتحايل، وهو: التوحيد عند المعتزلة، والمعتزلة من أصولهم: المنزلة بين المنزلتين، فالمتحايل باللغة دعما للإرهاب بين منزلتين، منزلة الميل للإرهاب ومنزلة الحرب عليه، فيستر ميله بمدحه لـ«جمال» كل شيء في الإرهاب، وحربه عليه في حربه لبني جنسه، الناعم والخشن.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق