برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسات

تأملات منتصف العمر

تحت ضوء البدر التام الجميل الكامل، المنعكس بغنجه وحسنه ودلاله، فوق صفحة الماء الرقراق، لا أملك إلا أن أغرق في الشكر.

أتوقف قليلا، أتأمل خط الزمن الممتد أمامي، أتنهد وأتتبع جزءه الخلفي وصولا إلى ليلةٍ مقمرةٍ.

تشبه هذه الليلة كثيرا، لكنها تسبقها بأربعين سنة، ليلة وصولي إلى هذه الدنيا، بدأت الرحلة التي تشبه كل البدايات، بصراخ طفلة مكتنزة الوجه، التي سرعان ما توقفت كي تمعن النظر إلى كل ما حولها وتتأمل، تبدأ رحلة البحث عن الجمال، الجمال من حولها، الجمال في كل شيء.

أقف هنا في المنتصف، أغيب مع الذكريات وأغمض عيني وأحمدهُ، فما رأيت إلا جميلا، أرتل الامتنان ترنيمة ليلة الميلاد وأشعل شمعةً لكل هبة، شمعة لكل عطية، شمعة لكل قدر سعيد، أقدم الامتنان لكل التفاصيل، الامتنان لهذا الجسد التام الجميل الكامل المعافى رفيقي ومركبي في هذه الرحلة.

الامتنان لعقلي بكل ما منحني من لذة العلم والمعرفة والعمل والفن والأدب، الامتنان لملامح وجهي المتسق الذي صوره فأحسن صورته، الامتنان لرحمي القوي الحنون الدافئ الذي قام بوظيفته على أكمل وجه، فاحتوى رغم كل الصعوبات جواهري الثلاث ومصابيح أيامي، الامتنان لقلبي الكبير الرحب الذي لم تدنسه لوثة الكراهية قط ولم يعمره سوى الحب.

الحب تذكرة عبوري لهذا العالم، الحب الذي استقبلني ومنذ اللحظة الأولى غزيرا وافرا في عيون الغرباء كما الأقرباء، الحب الذي غمرني به والداي حتى ظننت أني محظيتهما رغم تدليلهما لي برابعة، إذ كانا ينتظران وليا للعهد، لكني وصلت أنثى وليس الذكر كالأنثى.

الحب الذي طرزته أمي في كل أيامي، وما زالت تغرد به أربعين عاما في كل مجلس وكل محفل ولم تمل ولم تكل، وكأني ما زلت طفلتها الظريفة المشاكسة، التي غفرت لها من فرط الهوى كل زلاتها.

الحب في عيون الجدات والخالات والعمات والصديقات، الذي ليس كمثله شيء في عيون الأخوة والأخوات، ترياق الأيام المرة وضمادات انفتاق الروح.

الحب الذي تجلى واضحا مكثفا خصبا في شريك عمري وخليلي ورفيقي ونور عيني، الحب الذي يجعل ظهري أكثر طولا واستقامة وصلابة، وقدميّ أكثر رسوخا وثباتا، الحب الذي يمدد قائمة الامتنان فتطول وتطول وتتشعب.

أمتن مثلا للجغرافيا التي جعلت البحر جاري وصديقي، الذي أبث له همي كل ليلة ثم أعود منه كأن لا هم لي، وأمتن للتاريخ الذي علمني وعلمني وعلمني حتى حررني، فصرت أراه حكاية كان يا ما كان، فلا أبوء بأوزاره ولا أصدق كل مفاصله وانعطافاته، وأمتن لكل بقاع الأرض التي استقبلتني بمباهجها ومفاتنها وطبيعتها الأخاذة، وأمتن للموسيقى والأغنيات، للكتب والحكايات، للألوان والزخرفات، وللعطور واللآلئ والجواهر والحرير والمخامل، وكل عالم الأنوثة الساحر الذي يتجانس تماما مع جسدي التام الجميل الكامل، المعافى، هبة الله لي ومركبي ورفيقي في هذه الرحلة.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق