برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
صدى القرية

مخالفة الرأي

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

التعبير عن الرأي والإفصاح به ومخالفة السائد الذي نشأت عليه الجماهير، مغامرة خطرة في مجتمعات أحادية غير متطيفة، ولا متسامحة مع المختلف عنها والمخالف لها، فعليك ألا تثق كثيرا بكل ما دونه الأوائل ولا تكن مغرما به إلى حد القداسة، فإن منه الثمين الإنساني الراقي وبعضه غث لا يعتد به عاقل، وغالبه آراء وأفهام وتفسيرات لأشخاص مثلك، لهم نوازع وأطماع وشهوات وغرائز ومصالح وغضب ورضا وحب وكراهية وانتماء وانتقام.

إن المشكلة الأزلية للعقل السلفي، تكمن في كونه صبغ رموزه جميعا بالعصمة والقداسة، فانتزعهم من بشريتهم الاعتيادية في الحياة، ليصنمهم في الأذهان والوجدان، وتكون آراؤهم لديه أكمل من العقل وأصوب من العلم وأصدق من البراهين الحواس، وكلما طالت قرون التوارث التي يحتمي فيها هؤلاء الرموز عن النقد والتشكيك بسيف التكفير والتجديف، ومقصلة النبذ الاجتماعي تترسخ رمزيتهم وتفسيراتهم للوجود والإنسان والحياة، على أنها حقائق  مطلقة، يحرم وضعها في ميزان النقد والمراجعة، وتتمازج التركيبة الفكرية والنفسية والوجدانية للفرد السلفي في بوتقة عقدية واحدة، لا تفرق بين المقاصد والوسائل، وتستصحب «زمكان» أسلافها معها، محاولة إعادة التاريخ وفرضه على أجيالها الجديدة، ومن تطوله سلطتها على قواعد «زمكان» أسلافها، دون اعتبار لما يجري من تحديث وتطوير في العالم وتقدم في العلم والحضارة وتطور في القيم والمفاهيم. الإنسان الذي يغيب العقل والمنطق لصالح تراثه الموروث ورموزه المقدسة، يصبح انفعاليا حادا وحديا لا يؤمن بحرية الفكر والرأي، ولا ينظر في دليل أو يحترم برهانا، فيؤمن بالمتناقضات وتستهويه الأساطير والخرافات، بل إنه يجرد المختلف معه من إنسانيته وآدميته، بإضفاء صفات الخيانة والكفر والزندقة عليه، ومن خلال هذه الصفات يقتل آخر صوت للضمير في داخله، فيفتك بمخالفيه، تحريضا وتشويها واغتيالا، ويكفي أن يقول إن هذا هو «مراد الله» و«مقصد الدين» أو غيرها من العبارات التي تجعل ما يقوم به من العنف اللا أخلاقي، مبررا ومشروعا أمام ضميره ومن هم على شاكلته، وفي حادثة اغتيال الشهيد فرج فودة أمام بيته وأطفاله، وتبرير رموز الصحوة وأتباعها لعملية اغتياله، أكبر دليل.

وحينما قدم القديران عبدالمحسن النمر وناصر القصبي، مشهدا تمثيليا عن خلافات السنة والشيعة، وما في تاريخهما، من تكفير ومعارك وكراهية واتهامات صدم الطرفان بغباء وطفولية، الفكرة التي يقتتل عليها الممثلان في المشهد، ولكن جمهورا عريضا من منظري وأتباع الفريقين يحملانها في واقعهما عقيدة يقينية لا تقبل التشكيك أو المراجعة، وما زال العرب يصطلون بنارها إلى اليوم، ويتاجر بها الشعوبيون في إيران وتركيا، لتمزيق العرب وزرع الميليشيات الطائفية في نسيجهم الاجتماعي لإسقاط دولهم وأنظمة حكمهم المستقرة.

ولما رأت الجماهير الفظائع والشناعات والعنف اللا أخلاقي والوحشي الذي تمارسه داعش، ذهلوا وصدموا وارتجفوا، ولكنهم لم يسألوا أنفسهم السؤال البديهي: أليس من هذه الفظائع والشناعات ما هو مدون على صورة عقائد وقصص وروايات تاريخية وتراثية محمية عن النقد والمراجعة في مكتبات ومناهج الفرق الدينية المختلفة؟

إن ما قصدته بإيجاز: أن كثيرا من منظري وأتباع الفرق يؤمنون ويقدسون أفكارا متطرفة بوعي أو بلا وعي، وحينما يرون تمثلات هذه الأفكار في الواقع على يد بعض الجماعات الإرهابية، يستشنعون هذا الواقع ويتقززون ويخافون ويتعجبون منه، ومع ذلك فإنهم يستمرون في إيمانهم بهذه الأفكار والدفاع عنها، والتبرير لها، بسبب سلطة التراث ورموزه على أذهانهم ووجدانهم.

يقول الله تعالى «قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ».

أحمد الغيلاني

أحمد محمد علي الغيلاني، طالب دكتوراه، ماجستير في أصول التربية من جامعة الإمام محمد بن سعود، له أربعه مؤلفات مطبوعة، وثلاثة أخرى تحت الطباعة. مارس الكتابة الصحفية في عدد من الصحف السعودية والخليجية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق